خوارزميات في السعودية وتوصيات على تليجرام في مصر.. من يحمي صغار المستثمرين؟

ملخص
السوق السعودية تبحث في طبقة أكثر تقدماً من المخاطر، وهي تحاول الحفاظ على العدالة فيما بعد الأمان الأول. وفي مصر يبقى السؤال الأقدم مطروحاً: من يحمي الصغير الذي يشتري أمله بتوصية على تليجرام؟
استمع إلى المقال
بينما تناقش أسواق المنطقة كيف تحمي نفسها من خوارزميات تتداول بسرعة تفوق قدرة البشر، يجلس مستثمر مصري صغير أمام هاتفه ويصدق رسالة على تليجرام تعده بسهم سيتضاعف قبل نهاية الأسبوع. السوقان تناقشان مستويين مختلفين من المخاطر، والمستوى الثاني هو الذي يدفع تكلفته المستثمر الصغير من مدخراته مباشرة.
في الرابع من أكتوبر الجاري قال مازن السديري، رئيس هيئة السوق المالية السعودية، لقناة العربية إن الخوارزميات جزء من التقدم التكنولوجي بشرط ألا يكون ذلك على حساب العدالة، مشيرًا إلى أن سيولة عدد من الأسهم السعودية ضعيفة، وأن التداول الخوارزمي قد يسبب فيها تذبذباً كبيراً، وأن أغلب هذا التداول يجري عبر الأجانب. وأعلن أن الهيئة ستراقب السيولة، وقد تغير حد الخوارزميات على الأسهم التي ترتفع سيولتها بعد فترة. هذا نقاش حول تفاصيل التقنية وبرامج التداول المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، يجري داخل منظومة منظمة تفترض أن المتداول يعرف قواعد اللعبة.
وفي مصر.. فيواجه المستثمر الفرد خطراً أبسط تقنياً وأشد وقعاً عليه، مئات المجموعات على تليجرام وواتساب وصفحات على فيسبوك وإنستجرام تقدم توصيات بالشراء والبيع بوعود ربح لا يستطيع أصحابها ضمان نتائجها، ويصعب على المستثمر الوصول إلى المسؤول عن هذه التوصيات وسؤاله ومحاسبته إن أخطأت، فمن يكتب من حساب مجهول لا يتحمل كلفة خطئه.
والآلية معروفة لكل من تابع السوق. تجمع المجموعة آلاف المتابعين، ثم تروّج لسهم محدود السيولة، فيتدافع الصغار إلى الشراء ويرتفع السعر، ويخرج من سبق إلى الشراء بأرباحه ويترك اللاحقين مع سهم يهبط. لا تحتاج هذه الدورة إلى معرفة عميقة بالسوق، وإنما إلى جمهور يصدق وإلى غياب من يسأل. والمستثمر الجديد هو الحلقة الأضعف فيها، فهو لا يقرأ القوائم المالية ولا يعرف الفرق بين سهم نشط وآخر هامشي، ويصدق من يتحدث بثقة.
ولا تقف الظاهرة عند التوصيات المجانية، فهناك تجارة كاملة في الكورسات. خذ إعلاناً متداولاً على فيسبوك لكورس بعنوان "البورصة من الصفر لحد احتراف التداول"، يقدمه رجل يرتدي جلباب صعيدي اسمه "المعلم عبد الستار" عبر صفحة باسم أكاديمية رواد الأعمال، الكورس عبارة عن عشر محاضرات مباشرة تبدأ الجمعة 23 أكتوبر 2026 في الثامنة مساء بتوقيت مصر، بسعر 19,950 جنيهاً أو 399 دولاراً، أي نحو 1,995 جنيهاً للمحاضرة، مع دعوة إلى "احجز مكانك الآن وابدأ مستقبلك في عالم التداول". لا يذكر الإعلان مؤهلاً علمياً لمقدمه ولا جهة مرخصة تقف خلفه، ويطرح سؤالاً عن المعايير المهنية التي يجب أن تتوافر فيمن يبيع محتوى مدفوعاً يعد المتلقي بالاحتراف في التداول. ومثل هذه الإعلانات كثير، ومعها مؤتمرات للفوركس والتداول تروّج لها حسابات وشخصيات عامة.
والخطر على المستثمر يتعدد وجوهه. أولها خسارة رأس المال نفسه، فمن يشتري سهماً بتوصية مجهولة قد يخسر مدخرات لا يعوضها. وثانيها الشعور الزائف بالاحتراف، فمن أنهى دورة من عشر محاضرات قد يدخل السوق بجرأة من يظن أنه تعلم، ثم يتعامل بمبالغ تفوق قدرته. وثالثها خسارة الثقة، فالمستثمر الذي يتعرض للخداع مرة قد يخرج من السوق كله، ولا يعود إليها هو ولا من سمع قصته. وهذا الأخير أخطرها على الاقتصاد، لأن السوق التي يتحدث الجميع عن توسيع قاعدة المستثمرين فيها لا تتسع إذا كان الداخل إليها يخسر في أول طريقه.
ما العمل إذن؟ على المستثمر أن يتحقق من الجهة التي تخاطبه قبل أن يتحقق من السهم. يسأل أولاً عن صفتها وعن ترخيصها من الهيئة العامة للرقابة المالية إن كانت تقدم خدمة تستلزم ترخيصاً، ويرتاب في أي وعد بربح مضمون أو سريع، ويطلب سجلاً موثقاً للنتائج لا لقطات شاشة، ولا يدفع ثمن احتراف يُباع بعشر محاضرات. وعلى الجهات الرقابية أن تعلن بوضوح من المرخص لهم، وأن تتابع هذه الصفحات والمجموعات، وتعلن ما تتخذه من بلاغات وإجراءات حتى يعرف المستثمر أن للتحذير ما يسنده.
السوق السعودية تبحث في طبقة أكثر تقدماً من المخاطر، وهي تحاول الحفاظ على العدالة فيما بعد الأمان الأول. وفي مصر يبقى السؤال الأقدم مطروحاً: من يحمي الصغير الذي يشتري أمله بتوصية على تليجرام؟
ما وراء الأرقام

"إم إن تي حالا": 124.8 ألف دعوى في نشرة أكبر طرح بالجنيه المصري.. فهل يعوّض السعر المستثمر عن المخاطر؟

السعودية بين عجز يتسع في 2026 وإنفاق يتراجع في 2027.. هل تدخل رؤية 2030 اختبارها الأصعب؟

التداول الخارجي في السعودية أمام اختبار الرافعة: حماية للمستثمر أم وصاية عليه؟

"خطة الشطرنج".. هل ينجح البنك المركزي المصري في إنقاذ المصانع المتعثرة؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







