بين هرمز وباب المندب.. البورصة المصرية تفتح أمام شبكة مخاطر أوسع

ملخص
أنهى خام برنت جلسة الجمعة عند 104.61 دولار للبرميل، مرتفعاً بأكثر من 8% خلال الأسبوع، بينما تدخل البورصة المصرية جلسة الأحد من نقطة مختلفة تماماً.
استمع إلى المقال
حتى الساعة الثالثة صباح الأحد بتوقيت القاهرة، لم يظهر ما يغيّر الصورة عسكرياً بصورة حاسمة: لا ضربة أمريكية–إيرانية كبيرة جديدة في التحديثات الموثوقة المتاحة، ولا إعلان سعودي عن إعادة تشغيل خط أنابيب شرق–غرب، ولا حادث ملاحي جديد يثبت أن باب المندب انتقل من التهديد إلى التعطيل الواسع. لكن مرور الساعات بهدوء نسبي لا يعيد شبكة الطاقة إلى ما كانت عليه. ما تراكم منذ إغلاق البورصة المصرية يوم الخميس هو شيء مختلف: الطرق التي كان يفترض أن تخفف ضغط هرمز أصبحت هي نفسها موضع ضغط.
هذا هو الاختبار الذي تفتتح البورصة المصرية به جلسات هذا الأسبوع، حيث أغلق خام برنت يوم الجمعة عند 104.61 دولار للبرميل، مرتفعاً بأكثر من 8% خلال الأسبوع، رغم تراجعه في الجلسة الأخيرة. وفي المقابل، أنهت الأسهم الأمريكية الجمعة على ارتفاع ولم يظهر هروب موحد من الأصول الخطرة. السوق العالمية حتى إغلاق الجمعة كانت تسعّر أزمة إمدادات وطاقة كبيرة، لكنها لم تكن تتصرف بعد كما لو أن المنطقة دخلت مرحلة فقدان كامل للسيطرة.
الخطر انتقل إلى طرق الالتفاف
في العادة، يمثل خط أنابيب شرق–غرب السعودي جزءاً من الإجابة عن مشكلة هرمز. ينقل الخام من شرق المملكة إلى ينبع على البحر الأحمر، ويسمح بتجاوز المضيق عندما يصبح العبور عبر الخليج أكثر صعوبة. خلال الأزمة الحالية كان الخط يحمل كميات تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يومياً، وفق رويترز. لكنه متوقف احترازياً بعد استهدافه بمسيّرات قالت الرياض رسمياً إنها انطلقت من العراق، مع وقوع إصابات وأضرار ما زالت قيد المعالجة. وحتى الساعة الثالثة لم يظهر إعلان رسمي سعودي بإعادة تشغيله.
على الطرف الآخر، تغيرت الخريطة اليمنية بسرعة. تقدم الحوثيون جنوباً على ساحل البحر الأحمر ووصلوا الجمعة إلى جزيرة بريم في قلب باب المندب، بعد السيطرة على ذُباب المقابلة لها وفق مصادر حكومية يمنية تحدثت لرويترز. هذا لا يساوي السيطرة الكاملة على المضيق، ولا يعني أن الملاحة توقفت. لكنه يرفع القدرة على تهديد الطريق الذي تعتمد عليه السعودية أكثر عندما تضطرب صادراتها عبر هرمز.
يجب الفصل هنا بين مسارين عسكريين حتى لا يختلط السبب بالنتيجة. الهجوم على East–West نُسب سعودياً إلى مسيّرات جاءت من الأراضي العراقية، بينما تقدم الحوثيين حدث على الجبهة اليمنية. لا يوجد ما يثبت أنهما عملية واحدة منسقة. ما يجمعهما في مقال اقتصادي هو الأثر؛ الأول أضعف الطريق البري البديل لهرمز، والثاني رفع المخاطر الجغرافية عند المخرج البحري لذلك الطريق.
وهذا يفسر لماذا لا يكفي هدوء الساعات الأخيرة لخفض علاوة المخاطر سريعاً، فالسعودية اختارت عدم الرد حتى الآن على الهجوم المنطلق من العراق، وذلك استجابة لطلب بغداد إتاحة المجال لها لاتخاذ إجراءات، فيما أظهرت تقارير رويترز أن واشنطن لم تنتقل إلى ضرب الحوثيين مباشرة وفضّلت الدعم الاستخباراتي وتحديد الأهداف. في الوقت نفسه لم يعد East–West للعمل، ولم يعد باب المندب إلى خانة الممر الذي يمكن التعامل معه كبديل منخفض المخاطر.
أما هرمز نفسه، فلا توجد إشارة إلى عودة سريعة للوضع الطبيعي. المسؤول الإيراني الذي تحدث لرويترز السبت قال إن اجتماع عُمان المقرر الاثنين لا يُنتظر أن ينتج اتفاقاً موقعاً فوراً، بينما تظل قواعد إدارة المرور والرسوم موضع خلاف، والبحرين لا تعتزم المشاركة. بذلك يصبح أمام سوق الطاقة ثلاثة أسئلة بدلاً من سؤال واحد: متى تتحسن حركة هرمز، متى يعود خط شرق–غرب، وهل يبقى باب المندب ممراً قابلاً للاستخدام من دون اضطراب أكبر؟
لماذا يهم ذلك القاهرة؟
بالنسبة لمصر، أول مسار واضح للتأثير الاقتصادي يمر عبر تكلفة الطاقة، حيث تقول وزارة البترول إن منظومة استيراد الغاز الطبيعي المسال أصبحت مكملاً للإنتاج المحلي، مع ثلاث سفن تغييز في العين السخنة ورابعة في دمياط بطاقة إجمالية تقارب 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، على ذلك فاستمرار أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة واضطراب الإمدادات لا يتحول فوراً إلى رقم في أرباح الشركات المصرية، لكنه يزيد حساسية الاقتصاد لتكلفة الاستيراد والعملات والشحن.
أما المسار الثاني الأقرب جغرافياً فهو قناة السويس. في 22 أغسطس كانت الهيئة تتحدث عن عودة عدد من الخدمات الملاحية بين آسيا وأوروبا، وسجلت عبور 57 سفينة بإجمالي حمولات صافية 2.8 مليون طن، مع عودة سفن تابعة لمايرسك. تقدم الحوثيين إلى بريم وذُباب يضع هذا التعافي أمام اختبار جديد لأن باب المندب هو المدخل الجنوبي للطريق. لكن حتى الثالثة صباحاً لا توجد بيانات من هيئة القناة تثبت أن أحداث الجمعة والسبت خفضت العبور فعلياً. الأدق إذن هو الحديث عن خطر على التعافي، لا خسارة وقعت بالفعل.
لذلك فالبورصة المصرية تدخل هذا الأسبوع من جلسة لم تكن سلبية على اتساع السوق كله، ففي يوم الخميس انخفض EGX30 بنسبة 0.39% إلى 56,280.17 نقطة، لكن EGX70 ارتفع 0.32% وEGX100 صعد 0.17%. حتى داخل القطاعات لم تكن الحركة موحدة؛ هبط مؤشر البنوك 0.40% بينما ارتفعت الموارد الأساسية 0.54%. هذه التفاصيل مهمة لأن أي ضغط في الافتتاح لن يكون دليلاً كافياً وحده على تحول السوق إلى بيع واسع.
القراءة الأولى ستظهر في اتساع الحركة أكثر مما تظهر في لون EGX30 وحده. إذا بقيت الأزمة عند مستوى الضغط على النفط والشحن من دون حادث عسكري أو ملاحي جديد، قد تظل إعادة التسعير انتقائية، وتتركز في الشركات والقطاعات الأكثر حساسية للتكاليف والعملات. استمرار ذلك المسار يحتاج أن يبقى باب المندب مفتوحاً عملياً وألا يظهر تصعيد عسكري جديد، حتى مع بقاء East–West متوقفاً.
أما حادث سفينة كبير، أو استهداف جديد لمنشأة طاقة، أو تدخل عسكري أوسع على الجبهة اليمنية، فسيغير آلية الحركة. عندها لن يكون السؤال عن النفط وحده، بل عن البحر الأحمر وقناة السويس وشهية المخاطرة الإقليمية في وقت واحد. العلامة المبكرة داخل السوق المصرية ستكون اتساع الهبوط وارتفاع السيولة المصاحبة له، لا مجرد تراجع سهمين ثقيلين في المؤشر.
وفي الاتجاه المقابل، فإن إعلاناً موثوقاً عن إعادة تشغيل East–West، أو تحسناً مستداماً في حركة السفن عبر هرمز وباب المندب، سيعيد جزءاً من المرونة التي فقدتها منظومة الإمداد. عندها يصبح تراجع علاوة الطاقة قابلاً للاختبار بأسعار فعلية، لا بتصريحات سياسية وحدها.
لذلك لا تأتي جلسة الأحد أمام خبر واحد يمكن تسعير مخاطره ثم تجاوزها، تفتتح السوق المصرية أمام شبكة من ثلاثة مسارات مترابطة، وفي وقت لا تزال الأسواق الغربية مغلقة أمام كثير من معلومات السبت. ما يستحق المراقبة بعد الجرس ليس مقدار حركة المؤشر في الدقائق الأولى، بل ما إذا كانت الأخبار الجديدة ستنتج ضغطاً واسعاً تؤكده غالبية الأسهم والسيولة، أم أن السوق ستفصل بين أزمة طاقة مستمرة وبين قفزة جديدة في المخاطر الإقليمية لم تقع حتى الساعة الثالثة صباحاً.
بالعربي SignalEGx
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.










