حين يصبح الاكتشاف العلمي أرخص من هاتفك... مَن سيشتري مستقبل العالم؟

ملخص
إذا صار الاكتشاف العلمي أرخص من هاتف، فمن سيملك الغد؟ وهل تتحول الدول بلا مختبرات متقدمة إلى زبائن تدفع ثمن مستقبل صنعه علماء وروبوتات في دول أخرى ثم تشتريه؟
استمع إلى المقال
في ٢١ ساعة فقط، أطلق باحثو أنثروبيك نحو ٩٥٠ وكيلاً من Claude للبحث داخل بحر من المعلومات الجينية. قرأت هذه الوكلاء ما يعادل ٢١٠ ملايين token، وهي الوحدات التي تحاسب بها شركات الذكاء الاصطناعي على ما يقرأه النموذج وما يكتبه. وبعد أن جمعت أكثر من ٢٠٠ ألف إنزيم، اختارت نحو ٣٥٠٠ احتمال مثير للاهتمام، ثم قلّصتها إلى عشرين حالة تستحق أن يراجعها العلماء. ومن بينها ظهر نظام بيولوجي لم يكن موصوفاً بهذه الصورة من قبل، أطلقت عليه أنثروبيك اسم ART.
لا يحتاج القارئ إلى معرفة البيولوجيا الجزيئية لكي يفهم مغزى ما حدث. تخيّل أن أمامك ملايين القطع المبعثرة وتبحث عن ترتيب غريب لم ينتبه إليه أحد. يستطيع الباحث البشري فعل ذلك، لكنه يحتاج أسابيع أو أشهراً. أما Claude فوزّع المهمة على مئات الوكلاء، وجعل كل واحد منهم يفتش جزءاً من المساحة، ثم قارن النتائج ورفع أفضلها إلى البشر. تقول أنثروبيك نفسها إن هذا النوع من التحليل قد يستغرق من العالم الخبير أسابيع أو أشهراً.
النظام المكتشف ليس دواءً جديداً، ولم يصبح أداة لتحرير الجينات، كما أن وظيفته الأساسية ما تزال مجهولة. وكان الإنزيم نفسه معروفاً من قبل، فيما التقط Claude العلاقة غير الملحوظة بينه وبين تكرارات معينة في الـDNA وبروتين آخر ملاصق له. أجرى العلماء البشر التجارب المخبرية كلها، وأظهرت النتائج الأولى أن الجزء الغريب الذي رصده النموذج ينتج بالفعل جزيئات RNA قصيرة. إذن نحن أمام بداية اكتشاف، لا أمام منتج جاهز. وهذه الدقة تجعل الرقم الاقتصادي أكثر إثارة لا أقل.
كم دفعت أنثروبيك مقابل كل هذا التفكير؟
لم تنشر أنثروبيك فاتورة الحملة، كما لم تفصح في إعلانها عن توزيع الـ٢١٠ ملايين token بين ما قرأه النموذج وما كتبه. لذلك لا يصح اختراع رقم واحد ووصفه بأنه التكلفة الفعلية. لكن يمكن وضع حدود واضحة باستخدام تسعير فئة Claude Mythos المتاحة على الويب، حيث يبلغ السعر ١٠ دولارات لكل مليون token من المدخلات و٥٠ دولاراً للمخرجات. وعلى هذا الأساس، تقع كلفة الـ٢١٠ ملايين token نظرياً بين ٢١٠٠ و١٠٥٠٠ دولار. وإذا افترضنا لأغراض الحساب فقط أن المخرجات مثّلت ٢٠٪ من الاستخدام، نحصل على نحو ٣٧٨٠ دولاراً.
ثلاثة آلاف وسبعمائة وثمانون دولاراً لا تعني أن اكتشافاً علمياً أصبح يكلّف هذا المبلغ فقط، فهناك رواتب العلماء والأجهزة والمواد والتجارب والتحقق، لكنها تعني شيئاً كان يصعب تصوره قبل سنوات قليلة، إذ أصبح من الممكن شراء كمية هائلة من البحث والفرز والتحليل العلمي بسعر يقل عن راتب خبير واحد لشهر في كثير من الاقتصادات المتقدمة.
السعر ينخفض بالفعل.
أعلنت أنثروبيك في سبتمبر أن Claude Fable 5.1 يخفض تكلفة الأعمال المعتادة بنحو ٢٥٪ مقارنة بسابقه، فيما يمكن أن يصل الوفر إلى نحو ٤٥٪ في الأعمال التي تعتمد بكثافة على الوكلاء وتعيد استخدام المعلومات نفسها. ولو استفادت حملة شبيهة بتجربة ART من هذا المستوى من الكفاءة، فإن مثالنا الحسابي البالغ ٣٧٨٠ دولاراً قد يهبط إلى ما بين نحو ٢٠٨٠ و٢٨٣٥ دولاراً، من دون أن يصبح النموذج أقل قدرة.
وهنا يمكن بناء توقع أكثر انضباطاً لعام ٢٠٢٧. إذا تحقق خلال العام خفض إضافي متواضع قدره ٢٥٪ فقط نتيجة تحسن النماذج، وتراجع أسعار الحوسبة، وانتقال القدرات الحالية إلى فئات أرخص، فقد تنخفض كلفة حملة حسابية مماثلة إلى نطاق يقارب ١٥٥٠ حتى ٢١٠٠ دولار. هذا سيناريو مشروط وليس وعداً من شركة، لكنه يكشف اتجاه المسار. ما كان يحتاج فريقاً ووقتاً طويلاً قد يتحول إلى بند صغير نسبياً في ميزانية شركة ناشئة.
حين تصبح الأفكار العلمية أرخص، لن تختفي تكلفة العلم. ستنتقل إلى مكان آخر. سيولد النموذج مئة فكرة تستحق الاختبار بدلاً من عشر، ولذلك سيحتاج الباحث إلى مزيد من الأجهزة والمواد والروبوتات والتجارب. سوف يرخص التفكير فيما تزداد قيمة القدرة على إثبات أن الفكرة صحيحة.
وقد بدأت هذه الحلقة فعلاً، فمن جانبها ربطت OpenAI نموذج GPT-5 بمختبر آلي تابع لشركة Ginkgo Bioworks، حيث قام النموذج باقتراح التجارب، ونفذتها الروبوتات، ثم أعادت النتائج إليه لكي يختار الجولة التالية. وخلال ست جولات نُفذ أكثر من ٣٦ ألف تفاعل على ٥٨٠ لوحة تجارب. وبعد ثلاث جولات أعلنت OpenAI أن تكلفة إنتاج البروتين انخفضت ٤٠٪، فيما تحسنت تكلفة المواد المستخدمة بنسبة ٥٧٪.
هنا تظهر الفرصة التي سيراقبها المستثمر. القيمة قد تنتقل تدريجياً من شركة تبيع نموذجاً ذكياً إلى شركة تملك حلقة كاملة تبدأ بالذكاء الاصطناعي وتنتهي بمختبر ينفذ ما اقترحه، ثم يعيد النتيجة إلى النموذج. يسمى هذا الأسلوب Closed-loop experimentation، لكنه في جوهره بسيط جداً. يفكر البرنامج، يجرب الروبوت، يتعلم البرنامج من النتيجة، ثم يجرب من جديد.
ولهذا تتحرك Google و Microsoft و OpenAI في نفس الاتجاه، إذ طرحت Google أدوات Gemini for Science التي تولد الفرضيات وتجادل بينها، فيما يستطيع نظام Computational Discovery اختبار آلاف الحلول الحسابية بالتوازي. وتعمل Microsoft على ربط نماذجها بالمحاكاة والمختبرات المؤتمتة، بينما أعلنت OpenAI أنها ستوفر نماذجها المتقدمة لما يصل إلى ١٠٠ ألف باحث خلال ٢٠٢٧ ضمن التزام يتجاوز ٢٥٠ مليون دولار لدعم البحث العلمي الخارجي.
لكن هذه الثورة، كغيرها من الثورات العلمية، تحمل معها فجوة اقتصادية قاسية.
تملك الولايات المتحدة وحدها نحو ثلث أقوى ٥٠٠ حاسوب عملاق في العالم وأكثر من نصف قدرتها الحاسوبية الإجمالية، وفق تقرير UNCTAD. كما استحوذت مئة شركة فقط، معظمها في الولايات المتحدة والصين، على ٤٠٪ من الإنفاق العالمي للشركات على البحث والتطوير في البيانات التي تناولها التقرير. وحين تجتمع الحوسبة المتقدمة مع الجامعات ورأس المال والمختبرات الآلية، يصبح انخفاض سعر الذكاء الاصطناعي مضاعفاً لقوة موجودة أصلاً.
وتظهر الفجوة نفسها في الإنفاق العلمي. ففي ٢٠٢٣ أنفقت الولايات المتحدة ما يعادل ٣.٤٥٪ من ناتجها على البحث والتطوير، وكوريا الجنوبية ٤.٩٤٪ وألمانيا ٣.١٥٪. وفي العام نفسه بلغ الرقم في باكستان ٠.١٦٪، بينما بلغ في فيتنام ٠.٤١٪. لا تعني هذه الأرقام أن كل اقتصاد غني سينجح أو أن كل اقتصاد نامٍ سيتأخر، فالصين مثلاً وصلت إلى ٢.٥٨٪ في ٢٠٢٣. لكنها تكشف حجم رأس المال الذي يقف خلف القدرة على تحويل الفكرة إلى تجربة ومنتج.
وهنا قد يفاجئنا عام ٢٠٢٧ بنتيجة تبدو عكس ما وعدت به التكنولوجيا. قد يحصل باحث في دولة فقيرة على Claude أو ChatGPT بالسعر نفسه تقريباً الذي يدفعه باحث في بوسطن أو سيول. كلاهما يستطيع أن يطلب ألف فكرة. لكن الأول قد ينتظر شهوراً للحصول على جهاز أو مادة أو تمويل، فيما يرسل الثاني أفضل عشرين فكرة إلى مختبر آلي في اليوم نفسه.
بعد عدة دورات، لا يعود الفارق مجرد فرق في عدد الأبحاث المنشورة. يتحول إلى أدوية وبراءات اختراع ومواد جديدة وشركات ناشئة ومصانع وصادرات.
لذلك لن يكون سعر الـtoken أهم رقم يجب مراقبته في ٢٠٢٧. الأهم هو تكلفة تحويل فكرة علمية إلى نتيجة حقيقية يمكن إعادة تجربتها والحصول على النتيجة نفسها. وإذا هبط هذا الرقم بسرعة داخل الاقتصادات التي تملك الحوسبة والمختبرات، فيما بقي مرتفعاً في بقية العالم، فستظهر فجوة جديدة أشد خطورة من الفجوة الرقمية.
سيصبح الجميع تقريباً قادراً على شراء الذكاء، فيما ستذهب الثروة إلى من يستطيع إثبات ما يقوله ذلك الذكاء قبل الآخرين، وبالتأكيد لن يكون من ضمن هؤلاء المجتمعات و الأمم التي لازالت عاجزة عن مواجهة الأسئلة الأساسية عن جدوى العلم وفائدة الخبرة و عواقب الجهل الممزوج بالحماس!
قبل الحدث

الدول الغارقة في الديون قد تكون أغنى مما تبدو

الاقتصاد الطائر والمواطن الزاحف... هل بدأت النهضة في رواندا وغينيا؟

ماذا لو أصبح الكذب قابل للإثبات والحقيقة قابلة للإنكار؟

مائة عام من الحفريات الأثرية في الأماكن الخطأ
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







