تحديث واحد قد يمحو شركتك في 2027

١٩ أكتوبر ٢٠٢٦
٨ دقائق
تحديث واحد قد يمحو شركتك في 2027

ملخص

في 2027 قد تنهار العديد من شركات Agentic AI رغم طفرة الذكاء الرخيص بسبب كلفة التنفيذ؛ من ينجز العمل بأقل تكلفة يربح، والباقي قد يتحول إلى ميزة مجانية.

استمع إلى المقال

0:00
0:46

قد تنخفض كلفة تشغيل أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي خلال 2027، ثم تكتشف بعض الشركات التي بنت أعمالها فوق هذه النماذج أن أرباحها لم تتحسن. هذه المفارقة هي المفتاح لفهم المرحلة المقبلة من سوق Agentic AI. فالشركة لا تكسب لأنها اشترت ذكاءً أرخص، وإنما حين تستطيع تحويل هذا الذكاء إلى عمل يُنجز بصورة صحيحة، وبكلفة تقل عن السعر الذي يدفعه العميل.

بدأت شركات التكنولوجيا نفسها تغيّر طريقة التسعير بما يكشف هذا التحول. ففي Microsoft Copilot Studio تُحتسب الإجابة التوليدية بوحدتين من Copilot Credits، بينما يستهلك الإجراء الذي ينفذه الوكيل خمس وحدات. وقد تتراكم فوق ذلك تكاليف أخرى حين يستخدم الوكيل نماذج استدلال متقدمة أو تدفقات عمل إضافية. أي أن كتابة الإجابة أرخص من فعل شيء بها داخل النظام.

وتذهب Salesforce خطوة أبعد إذ تبيع الشركة 100 ألف Flex Credit مقابل 500 دولار، ويستهلك الإجراء القياسي الذي ينفذه Agentforce عشرين رصيداً؛ أي نحو عشرة سنتات للإجراء وفق السعر المنشور. كما تتيح تسعيراً عند دولارين للمحادثة في بعض الحالات. الرسالة الاقتصادية واضحة؛ السوق بدأ ينتقل من محاسبة العميل على «الكلام مع الذكاء» إلى محاسبته على العمل الذي يؤديه.

ويظهر الاتجاه بصورة أوضح لدى Intercom حيث بدأت الشركة في تسعير وكيلها Fin ابتداءً من 0.99 دولار مقابل النتيجة، وليس مقابل عدد الرسائل أو الرموز. فإذا أنهى مشكلة دعم أو نفذ إجراءً محدداً بنجاح استحقت الشركة المقابل. وإذا أخفق وانتقل العميل إلى موظف بشري، فلا تُحسب النتيجة بالطريقة نفسها. وتقول Intercom إن Fin يحل في المتوسط نحو 76% من المحادثات لدى أكثر من ثمانية آلاف عميل، مع وصول بعض العملاء إلى نسب تتجاوز 90%. هذه أرقام تعلنها الشركة عن منتجها، لكنها تكشف أين يتحرك نموذج الأعمال.

هنا يبدأ الخطر الحقيقي على جيل كامل من الشركات الناشئة.

ظهرت كثير من شركات Agentic AI لأن النماذج، مهما بلغت قوتها، لم تكن قادرة وحدها على العمل داخل مؤسسة. احتاج النموذج إلى من يربطه بالبريد، وقاعدة بيانات العملاء، وبرنامج المحاسبة، ومستودع الملفات، ونظام المدفوعات. وكان لا بد من طبقة برمجية تحفظ حالة المهمة، وترتب الخطوات، وتستدعي الأدوات، وتعيد المحاولة إذا تعطل شيء. أطلق المطورون على هذه الطبقة اسم orchestration، كان الكثير من المستثمرين يرون أن هذه فجوة ممتازة لبناء شركة قبل عام واحد فقط. لكنها تضيق الآن بسرعة.

تدير OpenAI في Agents API الجلسات والتنسيق وضغط السياق واستعادة العمل، وتدعم استدعاء الأدوات والاتصال بخوادم MCP، كما تتيح تشغيل الوكيل داخل بيئات تنفيذ مخصصة. ما كان يحتاج إلى مجموعة من المنتجات الخارجية أصبح يدخل تدريجياً في البنية الأساسية التي يشتريها المطور أصلاً.

وتسير Google في الاتجاه نفسه. تجمع Gemini Enterprise Agent Platform النماذج وبيئة التطوير والذاكرة وتنفيذ الكود والحوكمة في منصة واحدة. بل تمنح الوكلاء هويات رقمية مستقلة، وتفرض من خلالها الصلاحيات وتراقب الوصول إلى الأنظمة وتسجل ما يحدث. حين يصبح للوكيل «هوية وظيفية» معروفة داخل المؤسسة، يقل ما يمكن أن تطلبه شركة ناشئة لمجرد إدارة الاتصال بين النموذج وبرامج العميل.

أما Anthropic فقد ساعدت في تحويل Model Context Protocol – MCP إلى معيار واسع لربط الذكاء الاصطناعي بالأدوات والبيانات. وقالت الشركة في يناير 2026 إن البروتوكول وصل إلى 100 مليون تنزيل شهري. كلما أصبح الاتصال بالأدوات معيارياً وأسهل، هبطت القيمة الاقتصادية للشركة التي كان سرها الوحيد أنها تعرف كيف تجعل نموذجاً يتحدث إلى برنامج آخر.

وهنا ينبغي للمستثمر أن يفصل بين شيئين متشابهين في العرض التوضيحي ومختلفين تماماً في الاقتصاد. ربط Claude بنظام Salesforce إنجاز تقني. أما جعل Claude يعالج طلب استرداد مالي صحيحاً، وفق سياسة الشركة وصلاحيات الموظفين وحدود المبلغ ومتطلبات التدقيق، فهو نشاط تجاري كامل، حيث يكمن الربح في الثاني.

فإذا طلبت من النموذج كتابة رسالة اعتذار، تستطيع قراءة النص والحكم عليه. لكن إذا أعطيته حق إعادة أموال العميل، أو تعديل سجل مالي، أو الموافقة على خصم، أو فحص عميل وفق إجراءات KYC، فإن الخطأ يخرج من شاشة الدردشة ويدخل دفتر الحسابات أو ملف الامتثال.

عندها يحتاج الوكيل إلى أكثر من نموذج جيد. يحتاج إلى معرفة من يملك صلاحية الموافقة، وما الحالات التي تستوجب تدخلاً بشرياً، وما الذي يجب تسجيله، وكيف يعود عن الإجراء إذا حدث خطأ، وأي قاعدة قانونية تنطبق على كل حالة. هذه الطبقة هي التي ستصنع «اقتصاد التنفيذ».

ولنأخذ مثالاً بسيطاً. إذا كلّفت محاولة تنفيذ المهمة عشرة سنتات، ونجح الوكيل في 80% من المحاولات، تصبح الكلفة المباشرة لكل مهمة ناجحة 12.5 سنتاً، قبل إضافة المحاولات المعادة، واستدعاءات الأدوات، ووقت الموظفين الذين يعالجون الحالات الفاشلة، والخسارة المحتملة من القرار الخاطئ.

وتزداد المشكلة بسرعة حين تتكون المهمة من خطوات متتالية. إذا بلغت دقة كل خطوة 95%، فقد تبدو النسبة ممتازة. لكن مهمة تتكون من عشر خطوات، ويشترط نجاحها جميعاً، تنخفض فرصة إتمامها من البداية إلى النهاية إلى نحو 60% فقط. هذه نتيجة حسابية بسيطة؛ (0.95^{10}) تساوي قرابة 0.60.

وهنا يتغير فهمنا للتقدم التقني كله. قد يتحسن النموذج من 95% إلى 97% في كل خطوة، فتقفز فرصة نجاح المهمة ذات الخطوات العشر من نحو 60% إلى قرابة 74%. بضعة نقاط مئوية في موثوقية كل خطوة قد تساوي إذاً زيادة هائلة في الإنتاج الفعلي.

لهذا لا تكفي متابعة سعر الرمز token.

يمكن أن ينخفض سعر النموذج إلى النصف، بينما تبقى كلفة المهمة النهائية مرتفعة لأن الوكيل يعيد المحاولة، أو يتوقف طلباً للموافقة، أو يرسل بعض الحالات إلى موظف بشري. ومن هنا قد تبدو تكلفة الذكاء رخيصة جداً على فاتورة الـAPI، بينما يظل المنتج نفسه ضعيف الهامش.

تتعامل Google مع هذه المشكلة باعتبارها مشكلة بنية تشغيلية بالفعل. فقد أطلقت في مايو 2026 مشروع Agent Executor لأن المهام التي تستمر ساعات أو أياماً تصبح هشة، وتحتاج إلى استئناف العمل بعد الأعطال أو بعد انتظار موافقة بشرية. أي أن واحدة من أكبر شركات الحوسبة في العالم وصلت إلى النتيجة نفسها؛ التحدي لم يعد أن تجعل الوكيل «يفكر»، بل أن تضمن وصوله إلى نهاية العمل.

وتفسر هذه النقطة أيضاً تشاؤم Gartner تجاه جانب من السوق. فقد توقعت المؤسسة إلغاء أكثر من 40% من مشروعات Agentic AI بحلول نهاية 2027 بسبب تصاعد التكلفة، أو غموض القيمة التجارية، أو ضعف ضوابط المخاطر. وفي توقع أحدث، قالت إن 40% من المؤسسات قد تخفض استقلالية بعض الوكلاء أو توقفهم بسبب مشكلات الحوكمة التي تظهر بعد التشغيل الفعلي.

هذه الأرقام لا تعني انهيار سوق الوكلاء. الأرجح أنها تشير إلى فرز قاسٍ بين أنواع مختلفة من الشركات.

الفئة الأكثر تعرضاً للخطر هي التي تشتري استدعاءات من OpenAI أو Anthropic أو Google، ثم تضيف واجهة وبعض التعليمات والموصلات وتبيع الناتج بسعر أعلى. يتحرك المورد الأصلي خلفها باستمرار، فيضيف الذاكرة والأدوات والتنفيذ والحوكمة إلى منصته. ومع كل تحديث جديد قد تختفي وظيفة كان الوسيط يتقاضى مقابلاً مستقلاً عليها.

أما الشركة التي تبيع نتيجة اقتصادية فتقف في موضع مختلف. يستطيع وكيل التحصيل أن يتقاضى أجراً على الأموال التي نجح في تحصيلها. ويمكن لوكيل خدمة العملاء أن يُسعَّر على المشكلات التي أغلقها. ويمكن لوكيل المشتريات أن يرتبط سعره بحجم الطلبات التي عالجها وفق القواعد الصحيحة.

وقد أصبحت فكرة outcome-based pricing، أي التسعير على أساس النتيجة، جزءاً من النقاش الفعلي داخل الصناعة. تقول Sierra صراحة إن العملاء ينبغي أن يدفعوا مقابل النتائج لا مقابل الاستخدام، بينما بنت Intercom جانباً كبيراً من تسعير Fin حول المبدأ نفسه.

وهذا النموذج يغير الحوافز جذرياً. عندما تتقاضى الشركة رسوماً عن كل مليون رمز، يزداد دخلها كلما استخدم العميل النموذج أكثر. أما حين تتقاضى دولاراً عن كل مهمة مكتملة، فإنها تربح عندما تنجز المهمة بأقل عدد ممكن من المحاولات والرموز والتدخلات البشرية.

هل تصبح الكفاءة نفسها منتجاً؟

قد تتفوق في 2027 شركة تستخدم نموذج متوسط على شركة تستخدم النموذج الأقوى في السوق. إذا أنجزت الأولى 90% من العمليات دون تدخل بشري بينما توقفت الثانية عند 70%، فسيتفوق اقتصاد الأولى غالباً، حتى لو كان نموذجها أقل لمعاناً في اختبارات الذكاء.

من هنا يتغير أيضاً معنى الحاجز التنافسي. لن تكفي prompts جيدة أو واجهة أنيقة أو مجموعة موصلات. ستصبح القيمة في معرفة تفاصيل عملية معينة؛ كيف تُعالج مطالبة تأمين، وكيف يُفحص طلب قرض، وكيف تُغلق فاتورة، وكيف يُتعامل مع استثناء ضريبي، ومتى يجب أن ينسحب الوكيل ويسلم المهمة إلى إنسان.

هذه المعرفة تتراكم مع التشغيل. كل حالة استثنائية يواجهها النظام تضيف إلى مكتبة القرار. وكل تدخل بشري يمكن أن يتحول لاحقاً إلى قاعدة أو اختبار أو مسار جديد. هنا تتكون البيانات التي يصعب على النموذج العام أن يملكها بمفرده.

لذلك قد يشهد 2027 انقساماً واضحاً. ستتآكل قيمة عدد من الشركات الأفقية التي بنت أعمالها على تنسيق النماذج وربطها بالأدوات، وقد تتحول إلى إضافات أو خدمات استشارية أو أهداف للاستحواذ. في المقابل، ستزداد قيمة الشركات التي تسيطر على عملية تجارية كاملة وتعرف تكلفتها وأخطائها واستثناءاتها.

وسيتعين على المستثمر الذي يريد تحقيق أرباح من الذكاء الاصطناعي أن يقيم الشركات بمعايير جديدة.

سيظل نمو الإيرادات مهماً، وكذلك الاحتفاظ بالعملاء والهامش الإجمالي. لكن رقماً جديداً سيصبح أكثر دلالة في شركات Agentic AI؛ الكلفة الحقيقية لكل نتيجة ناجحة.

يجب أن يشمل هذا الرقم تكلفة النموذج والأدوات، والمحاولات المعادة، والحوسبة، والتدخل البشري، والتعويض عن الأخطاء. بعد ذلك فقط يظهر اقتصاد الشركة كما هو.

إذا انخفضت هذه الكلفة كلما تحسنت النماذج، فإن الشركة تمتلك آلةً تتحول فيها القفزات التقنية إلى هامش ربح أكبر.

أما إذا هبطت أسعار النماذج عاماً بعد عام بينما ظلت كلفة إنجاز المهمة كما هي، فقد يكون المنتج مبهراً في العرض التجريبي، لكن المستثمر ينظر في الحقيقة إلى واجهة رخيصة فوق عملية تنفيذ باهظة.

عن الكاتب
د. خالد صقر
محاور - كاتب

د. خالد صقر عالِم ومفكر متخصص في التحليل الرياضي للأنظمة المعقدة، اكتشف حالةً غير معروفة من الاضطراب في تدفق الدم البشري أثبتت قصوراً في الفهم السائد لأمراض الأوعية الدموية، وأهّلته لقائمة أعلى 2% من علماء العالم وفق تصنيف جامعة ستانفورد (2023، 2024). شارك في تأسيس مؤسسة Bio-CFD وأسّس شركة KNOWDYN لتمكين الباحثين والمخترعين من بناء قيمة اقتصادية من ابتكاراتهم وأصولهم الفكرية، ألّف عدة كتب من أهمها "التفكير المُرافِق Adjoint Thinking" حول كيفية التفكير مع الذكاء الاصطناعي دون فقدان السيطرة البشرية، وكتاب "الأسواق الحركية Kinetic Markets" الذي يقدم نظرية جديدة في التحليل الكمي للأسواق المالية، يشغل خالد صقر منصب استشاري في مجلس إدارة مؤسسة ScienceWerx الأمريكية حيث يُطبّق منهج كمي لاستشراف المستقبل فيما يتعلق بالتقاطع بين العلوم البازغة والتكنولوجيا والحوكمة العالمية.

الصفحة الكاملة وكل المقالات
شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

تابعنا على