ماذا لو أصبح الكذب قابل للإثبات والحقيقة قابلة للإنكار؟

ملخص
حين يُمكن اختلاق أزمة وهمية، أو تزوير تصريح حكومي، أو إشعال هلع شعبي في ساعات معدودة، كيف تعرف أن ما أغضبك حقيقي؟ وماذا لو كان خوفك هو الهدف منذ البداية؟
استمع إلى المقال
قدّم الإنتربول في أغسطس 2026 رقماً يختصر كثيراً مما ينتظر الأمن الرقمي في العام المقبل. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي حاضراً في 55% من الجرائم السيبرانية المُبلّغ عنها في أفريقيا، بينما ارتفعت الخسائر المرتبطة بالجريمة السيبرانية من 192 مليون دولار إلى 484 مليوناً منذ 2024. والأهم أن 72% من الدول الأفريقية الـ36 التي شملها مسح المنظمة أفادت بوجود مراكز احتيال داخل أراضيها.
دخلت الجريمة الرقمية بذلك مرحلة الممارسة الواسعة النطاق، حيث تنخفض كلفة الهجوم بينما ترتفع سرعته وقدرته على الوصول إلى أعداد ضخمة من الضحايا.
تزداد بذلك مساحة السطح الذي يستطيع المهاجم الوصول إليه بسرعة أيضاً. حيث تجاوز عدد مشتركي الهاتف المحمول في القارة السمراء 1.1 مليار في 2025. ورصد الإنتربول نحو 600 ألف حالة ابتزاز جنسي رقمي Sextortion، فيما أدت أربع عمليات دولية نسقها الإنتربول إلى أكثر من 1500 توقيف واستعادة ما يزيد على 100 مليون دولار، تعني هذه الأرقام أن المشكلة لم تعد مجموعة قراصنة متفرقين، وإنما اقتصاد إجرامي يملك العمالة والبنية المالية والأدوات اللازمة للتوسع.
كانت حملات الاحتيال تحتاج سابقاً إلى مترجمين ومصممين ومشغّلين وعشرات الحسابات الإليكترونية على شبكات التواصل الاجتماعي، بينما تستطيع أدوات Generative AI الآن كتابة المحتوى المضلل، وتعديله وفق عمر الضحية ووظيفتها ولغتها، وتقليد الصوت، وصناعة الصورة والفيديو، ثم مساعدة المجرم في جمع المعلومات التي تسبق الاختراق. ويرصد الإنتربول أتمتة مراحل تبدأ من الاستطلاع Reconnaissance والتصيد Phishing، وتصل إلى الابتزاز ومحاولات الإفلات من أنظمة الكشف.
لهذا بدأت الحدود تتلاشى الآن بين الهجوم السيبراني Cyberattack وحرب المعلومات Information Warfare والعمليات النفسية Psychological Operations – PSYOPS، حيث قد يبدأ الهجوم بمقطع Deepfake، ثم تدفعه حسابات مزيفة، وبعد ساعات يصل الضحايا إلى صفحة لسرقة كلمات المرور أو الأموال. وقد يسلك المهاجم الطريق المعاكس، فيخترق بريداً حقيقياً أولاً، ثم يخلط الملفات المسروقة بمحتوى مولَّد اصطناعياً. يصعب نفي القصة عندئذٍ لأن بعض عناصرها صحيح بالفعل.
وهنا يظهر تحول أشد خطورة من جريمة التزييف نفسها، فقد ينجح المجرم من دون أن يجعل الضحايا يصدّقون روايته، حيث يكفيه أحياناً أن يجعل الناس عاجزين عن معرفة أي رواية يصدقونها، وعندما تنتشر تقنية التزييف على نطاق واسع، يستطيع صاحب التسجيل الزائف أن يروجه، كما يستطيع صاحب التسجيل الحقيقي أن يدعي أنه مزيف، و يسمي الباحثون هذه الظاهرة Liar’s Dividend؛ أي المكسب الذي يحققه الكاذب عندما تصبح الأدلة نفسها موضع شك.
وتدخل أفريقيا هذه المرحلة بينما توجد بنية معلوماتية سابقة يمكن استغلالها، حيث وثّق مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية 189 حملة تضليل في 2024، أي قرابة أربعة أمثال العدد المرصود في 2022، واستُهدفت 39 دولة على الأقل، بينما تعرض نصف هذه الدول تقريباً لثلاث حملات أو أكثر. وبلغ متوسط الحملات في الدول التي تشهد نزاعات خمس حملات، في مؤشر مهم على العلاقة بين الاضطراب السياسي والأمني وسهولة اختراق المجال المعلوماتي. كما قدّر المركز عدد مستخدمي الإنترنت في القارة بنحو 600 مليون، وعدد مستخدمي شبكات التواصل النشطين بأكثر من 400 مليون.
أصبحت المشكلة بذلك مشكلة سرعة أيضاً، لأن مشغّل حملات التضليل يستطيع أن ينتج عشرات النسخ من الرسالة نفسها، ويختبرها كما تختبر شركات التجارة الإلكترونية إعلانين مختلفين عبر A/B Testing، ثم يضاعف نشر النسخة التي تثير قدراً أكبر من الغضب أو الخوف أو المشاركة بين الضحايا، فيمكن أن تتحول شائعة عن بنك أو مسؤول حكومي أو حادث أمني إلى تجربة حية يتعلم فيها النظام من رد فعل المجتمع ويعدل رسائله كل ساعة.
تكشف كينيا بالفعل حجم الضغط الذي يمكن أن تواجهه دولة رقمية قبل إضافة هذا النوع من الأتمتة. فقد سجل المركز الوطني الكيني للاستجابة للحوادث أكثر من 842 مليون حدث تهديد سيبراني خلال يوليو وسبتمبر 2025، ثم قفز العدد إلى نحو 4.56 مليارات حدث خلال الأشهر الثلاثة التالية، بزيادة 441%. وشملت الفترة الأخيرة وحدها أكثر من 4.37 مليارات محاولة مرتبطة بهجمات الأنظمة، ونحو 71 مليون حدث برمجيات خبيثة، وأكثر من 58 مليون حدث حجب خدمة موزع DDoS، وفيما لا تعني هذه الأرقام وقوع مليارات الاختراقات الناجحة، فهي أحداث ومحاولات ترصدها أنظمة المراقبة، لكنها تكشف حجم الضغط الآلي الذي تتعامل معه الشبكات.
وتكتسب هذه الأرقام معنى أكبر لأن الانتخابات العامة الكينية مقررة في 10 أغسطس 2027. وكان مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية قد وثق تسع حملات تضليل استهدفت كينيا في خريطته المنشورة عام 2024، خمس منها محلية المنشأ. يصبح اجتماع الموعد الانتخابي مع حجم الاستخدام الرقمي والتهديدات الآلية سبباً كافياً لتوقع ارتفاع الإنفاق على المراقبة السيبرانية، والتحقق من المحتوى، وحماية الأنظمة الانتخابية، والاستجابة للشائعات قبل الاقتراع وخلاله.
وتقدم نيجيريا اختباراً أكبر من حيث الحجم، حيث سجلت هيئة الاتصالات 124.4 مليون اشتراك نطاق عريض في يوليو 2026، مقابل نحو 92.2 مليوناً في يناير 2024. كما يضم سجل الناخبين المنشور لدى اللجنة الانتخابية أكثر من 93.4 مليون ناخب. وتعرض المجال المعلوماتي النيجيري بالفعل لحملات منسقة خلال انتخابات 2023 بحسب مركز أفريقيا للدراسات الاستراتيجية. أما الجدول المنشور حالياً على موقع اللجنة الانتخابية فيحدد 16 يناير 2027 للانتخابات الرئاسية والتشريعية، و6 فبراير لانتخابات الولايات، و سيجتمع بذلك في فترة قصيرة جمهور رقمي هائل، وتنافس سياسي واسع، وأسواق مالية واتصالات متنقلة ضخمة؛ وهي بيئة تجعل التصيد المخصص وعمليات انتحال الشخصيات والمحتوى المصطنع من المخاطر التي يصعب افتراض غيابها.
لكن التعرض للخطر لا يساوي العجز عن مواجهته، حيث يقيس معيار Global Cybersecurity Index 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات خمس قدرات: القانون، والتقنية، والتنظيم، وبناء المهارات، والتعاون الدولي، فيما حصلت غانا على الفئة الأعلى Tier 1 – Role-modelling وسجلت 20 من 20 في أربعة محاور من خمسة، مع 19.27 في بناء القدرات، جاء المغرب في الفئة الأولى أيضاً ، مع 20 في القانون والتنظيم والتعاون و19.38 في بناء القدرات. أما جنوب أفريقيا وزامبيا فجاءتا في Tier 2 – Advancing، بينما صُنفت نيجيريا ضمن Tier 3 – Establishing. لا تقيس هذه الدرجات عدد الهجمات التي ستقع، لكنها تقيس شيئاً أكثر فائدة لمقارنة قدرات الدول الأفريقية، وهو قدرة الدولة المؤسسية على امتصاص الصدمة والاستجابة لها.
لا شك أن عام 2027 سيدفع هذه القدرات نحو التعاون الإقليمي، فقد بدأت الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا إعداد استراتيجية للأمن السيبراني والجريمة السيبرانية للفترة 2027–2032، بينما تدير بالفعل منصة إقليمية للتعاون وتبادل المعلومات والاستجابة المنسقة. ومن المرجح لذلك أن يصبح تبادل Indicators of Compromise – IoCs، أي العلامات التقنية التي تكشف الهجمات، أسرع بين دول غرب أفريقيا، وأن تتوسع التدريبات المشتركة وآليات الأدلة الرقمية العابرة للحدود.
ويتحرك الاتحاد الأفريقي في المسار نفسه. فقد اعتمد الاستراتيجية القارية للذكاء الاصطناعي في 2024، ثم دعا في 2025 الدول إلى تطوير استراتيجيات وقوانين وطنية، وإجراء تقييمات دورية لمخاطر الذكاء الاصطناعي، وتحديث الأطر التنظيمية، وبناء آلية قارية للحوكمة. لذلك ستزداد في 2027 احتمالات ظهور تشريعات تربط الأمن السيبراني بالذكاء الاصطناعي مباشرة، بدلاً من التعامل مع المجالين في قوانين منفصلة.
هل يمكننا التنبؤ بما سيحدث العام القادم؟
يمكننا بالتأكيد بناء نموذج أكثر تحفظاً من التنبؤ التقليدي القائم على الإحصاء، حيث يمكن أن يأخذ النموذج أربعة متغيرات في الاعتبار: حجم الجمهور الرقمي، والضغط السيبراني المرصود، والتعرض السابق للتضليل، والقدرة المؤسسية وفق مؤشر ITU. ثم يضيف «صدمة زمنية» عندما يوجد حدث وطني كبير معروف موعده مسبقاً.
تعطي هذه المعادلة نيجيريا وكينيا أوضح سيناريو يمكن الدفاع عنه، حيث يوضح النموذج أن الخطر سيتركز في البلدين حول Hybrid Information-Cyber Operations، وهي العمليات التي تمزج المحتوى المصطنع بانتحال الحسابات والتصيد واختراق البيانات، ومن المرجح بدرجة مرتفعة أن تسبق الاستحقاقات الانتخابية وترافقها زيادة في إجراءات التحقق، وحماية حسابات المؤسسات والشخصيات العامة، ومراقبة المحتوى المزيف، والتنسيق بين الهيئات الانتخابية وشركات الاتصالات والمنصات. هذا توقع لبيئة المخاطر والاستجابة، وليس حكماً على أي طرف سياسي أو نتيجة انتخابية.
أما غانا والمغرب، فتقود بيانات الجاهزية إلى سيناريو مختلف. يرجّح أن يتركز التحول على التنظيم الاستباقي، واختبارات الأنظمة، والهوية الرقمية، وتدريب المؤسسات، لأن البنية القانونية والتنظيمية والتعاونية أقوى بالفعل وفق ITU. وفي جنوب أفريقيا وزامبيا، يُرجح أن يدور عام 2027 حول تقليص الفجوة بين البنية التقنية وبناء الكفاءات البشرية؛ فقد وضع المؤشر البلدين في الفئة الثانية مع بقاء تنمية القدرات من نقاط التحسين الواضحة.
أما غرب أفريقيا كمنطقة، فيمكن التنبؤ بدرجة أعلى من الثقة باتجاه مؤسسي محدد: ستزداد الاستجابة الإقليمية على حساب العمل الوطني المنعزل مع بدء دورة استراتيجية 2027–2032. وسيظهر أول دليل على نجاح هذا الانتقال في سرعة مشاركة بيانات الهجوم والأدلة، لا في عدد المؤتمرات أو الاتفاقات الموقعة.
وهنا يتغير المؤشر فلن يكفي أن نعرف كم هجوماً وقع أو كم حساباً حُذف. سيصبح Mean Time to Verify، أي متوسط الزمن اللازم للتحقق من مادة رقمية عالية التأثير، مؤشراً أمنياً بحد ذاته. الدولة التي تحتاج خمس ساعات لإثبات أن التسجيل مزيف ستدخل الأزمة بعد أن يكون الملايين قد شاهدوه. والدولة التي تخفض هذا الزمن إلى دقائق تغيّر ديناميكية الهجوم كلها.
عندما تصبح صناعة الصوت والصورة والرواية المزيفة شبه فورية، لا تعود الحقيقة وحدها كافية. يجب أن تصل في الوقت المناسب.
قبل الحدث

حين يصبح الاكتشاف العلمي أرخص من هاتفك... مَن سيشتري مستقبل العالم؟

الدول الغارقة في الديون قد تكون أغنى مما تبدو

الاقتصاد الطائر والمواطن الزاحف... هل بدأت النهضة في رواندا وغينيا؟

مائة عام من الحفريات الأثرية في الأماكن الخطأ
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







