أزمة الحبوب العربية تنتقل من الرغيف إلى العلف

ملخص
محاصيل القمح تتحسن في دول عربية عدة، لكن ضغط 2027 يتجه إلى الذرة والشعير؛ فتكلفة العلف قد ترفع أسعار الدواجن واللحوم قبل أن يظهر العجز في سوق الخبز أيضا.
استمع إلى المقال
في الرابع من سبتمبر خفّضت منظمة الأغذية والزراعة تقديرها لإنتاج الحبوب العالمي في 2026 إلى 2.98 مليار طن، أكبر تراجع سنوي منذ 2018، ومع ذلك تبقى نسبة المخزون إلى الاستهلاك عند 31.6%، وهي مريحة تاريخياً. المفارقة أن مؤشر أسعار الحبوب ارتفع 2.2% في أغسطس، ووصل القمح إلى مستوى أعلى 15% من العام السابق، مع صعود الذرة والشعير أيضاً. السوق العالمية لا تعاني ندرةً مطلقة؛ إنها تدفع سعراً أعلى للحصول على الحبوب المناسبة، من المنشأ المناسب، وفي الموعد المناسب، وسط اضطراب البحر الأسود ومخاطر الشحن والطاقة.
هذه هي المعلومة التي ستفسر جانباً كبيراً من قرارات الحكومات العربية بين أكتوبر 2026 ومارس 2027. حيث يُتوقّع أن تحسُّن محصول القمح سيخفض بعض مشترياته الخارجية، لكن نمو استهلاك اللحوم والدواجن يرفع الحاجة إلى الذرة والشعير بصورة يصعب تعويضها بالقمح المحلي، الجزائر، على سبيل المثال، تتجه إلى نحو 5 ملايين طن من الحبوب، أكبر محصول منذ 2019، ومع ذلك تبلغ احتياجات الاستيراد المتوقعة 14.5 مليون طن؛ والذرة وحدها 5 ملايين طن، أعلى 10% من متوسط خمس سنوات بسبب الأعلاف. في السعودية تبلغ واردات الحبوب المتوقعة 15 مليون طن، بينها 4 ملايين ذرة و5 ملايين شعير، بزيادات تبلغ 20% و12% عن المتوسط. هنا تظهر نقطة التحول: قد تتحسن «سيادة الخبز» بينما يزداد اعتماد الاقتصاد الغذائي على الخارج.
لذلك يُرجَّح أن تتحول سياسة المخزون خلال الشتاء من قياس أطنان القمح وحدها إلى إدارة «محفظة الحبوب» Grain Portfolio: قمح للمطاحن، وذرة وشعير للأعلاف، وأرز للاستهلاك المباشر. تدعم هذه القراءة توقعات منظمة الأغذية والزراعة بارتفاع تجارة الذرة عالمياً مع استمرار طلب الأعلاف، في وقت تحيط فيه ضبابية أكبر بتدفقات القمح والشعير من البحر الأسود. النتيجة العملية ستكون مناقصات أكثر تنوعاً في المنشأ، ومشتريات موزعة زمنياً، وميل إلى الاحتفاظ بمخزون أكبر من حبوب العلف عندما تسمح قدرات التخزين.
في المغرب والجزائر وتونس يبدأ موسم الزراعة الشتوي الجديد من وضع أفضل كثيراً من العام الماضي. المغرب قدّر محصوله بنحو 9 ملايين طن بعد عودة الأمطار وارتفاع مخزون السدود، بينما خفّضت تونس احتياجاتها المتوقعة من واردات القمح إلى نحو 1.8 مليون طن بعد محصول حبوب أعلى 20% من المتوسط. الأرجح في الربع الأخير أن تُستخدم أسعار الشراء، والبذور المحسّنة، والأسمدة وسياسة الرسوم لحماية زراعة القمح والشعير من هبوط الأسعار بعد الحصاد الجيد، مع إعادة فتح الاستيراد بقدر يحافظ على مخزون آمن. ليبيا تدخل الشتاء من الجانب الآخر: إنتاج حبوب قرب 150 ألف طن واحتياجات استيراد 3.3 ملايين طن، ما يجعل سعر الصرف والشحن جزءاً مباشراً من سعر الخبز.
أما موريتانيا فتستحق رؤية مختلفة، حيث أطلقت الحكومة بالفعل موسم 2026/2027 المطري وبرنامجاً لخلق عشرة آلاف فرصة عمل زراعية، وتستهدف مستقبلاً تغطية احتياجات الأرز محلياً. وفي الأول من سبتمبر بدأت مناقشة مشروع موريتاني–إيطالي لاستصلاح ما بين 10 و20 ألف هكتار وإدخال القمح بصورة أوسع إلى النظام الزراعي. إذا انتقل المشروع من التصور إلى ترتيبات التمويل والتنفيذ خلال الشتاء، فسيكون أهم تحول عربي جديد في زراعة الحبوب خلال هذه الفترة، لأنه يضيف القمح إلى استراتيجية كانت تعتمد بدرجة أكبر على الأرز والمحاصيل المطرية.
وفي العراق ستفرض المياه شكل القرار، حيث يقدّر إنتاج الحبوب في 2026 بنحو 6.5 ملايين طن، منها 5.6 ملايين قمح، بينما تجاوز الأرز متوسطه التاريخي بأكثر من الضعف. لكن السلطات خفضت المساحات التي تُروى بالمياه السطحية 50% في بعض المناطق الجنوبية، في حين ترتفع احتياجات استيراد الذرة إلى نحو مليون طن بفعل الأعلاف. لذلك يرجّح أن تربط الخطة الشتوية 2026/2027 التوسع في القمح بالمياه المتاحة وبالري الحديث أكثر من ارتباطه بمساحة الأرض وحدها. سوريا تدخل الموسم بمحصول قمح يقارب 2.7 مليون طن، الأعلى منذ 2020، لكنها تحتاج نحو مليوني طن مستورد؛ وستظل كلفة النقل والتمويل مؤثرة في الاستهلاك حتى مع تحسن الحصاد.
أما الأردن ولبنان فسيعالجان المسألة من المخزن والميناء، حيث يحتاج الأردن قرابة 3 ملايين طن من الحبوب المستوردة ويحافظ على احتياطيات قمح وشعير تكفي نحو 7 إلى 10 أشهر، ما يرجّح استمرار المناقصات الاستباقية بدلاً من انتظار تحرك الأسعار. لبنان يحتاج نحو 1.3 مليون طن من الواردات في 2026/2027، ولذلك يظل هامش الشحن والتأمين حساساً بقدر سعر الحبة نفسها. وفي فلسطين يتقدم قيدٌ أشد: في غزة لم يبق في يونيو سوى 448 هكتاراً من الأراضي الزراعية سليماً ويمكن الوصول إليه، أي 3% من إجمالي الأرض الزراعية. خلال الشتاء سيتحدد إمداد الحبوب هناك بفتح مسارات التجارة ودخول الغذاء والبذور والوقود قبل أن يتحدد بالمحصول المحلي.
وفي الخليج تتجه الإمارات وقطر وعُمان والسعودية والكويت والبحرين إلى تعميق نموذج مختلف: شراء القدرة على الصمود بدلاً من محاولة إنتاج كل حبة محلياً. الإمارات اعتمدت في يوليو قانوناً جديداً ينظم المخزون الاستراتيجي ويلزم الموردين والتجار المسجلين بقواعد التخزين والإفصاح، ومن المرجح أن يبدأ أثره التنفيذي في إدارة المخزونات خلال الأشهر المقبلة. قطر وصلت بمشروع مخازن ميناء حمد إلى 98% من الإنجاز؛ سعته 300 ألف طن ويضم مرافق لمعالجة وتخزين الأرز وسلع أساسية أخرى، بالتوازي مع تعزيز شحنات القمح والأرز. عُمان تستمر حتى 2027 في مبادرة دعم القمح بقيمة 5 ملايين ريال عُماني، إلى جانب 48 منشأة لتخزين السلع الاستراتيجية. وستواصل الكويت والبحرين، في ظل المخاطر الإقليمية، تشديد متابعة المخزون وتدفقات الموردين أكثر من توسيع زراعة حبوب كثيفة الاستهلاك للمياه.
وفي سياق مختلف تواجه اليمن وجيبوتي وجزر القمر معادلة سعرية أكثر حساسية، فاليمن يحتاج نحو 5.2 ملايين طن من الحبوب المستوردة في 2026، ولذلك يمكن لنقص العملات الأجنبية أو اضطراب الوقود والموانئ أن يرفع تكلفة الغذاء حتى عندما تكون المخزونات العالمية كافية. جيبوتي فعّلت بالفعل فريقاً حكومياً لمتابعة مخزون السلع المستوردة وسلاسل الإمداد. وفي جزر القمر، حيث يشكل الأرز الغذاء الأساسي والإنتاج المحلي محدود، يتجه النظام تدريجياً إلى توسيع دور المستوردين من القطاع الخاص بعد إصلاح سوق كان شديد التركّز؛ ما يجعل المنافسة على الاستيراد واستقرار المخزون أهم إجراءين في مطلع 2027.
أما السودان والصومال، فالمناخ والصراع قد يطغيان على أدوات التجارة المعتادة. في السودان جاءت أمطار يونيو–منتصف أغسطس أقل من المتوسط، بنحو 20% في سنار و30% في القضارف، قبل حصاد يبدأ في نوفمبر؛ أي أن نتيجة الموسم ستظهر داخل الربع الأخير نفسه وتحدد حجم التدخلات والمساعدات والحاجة إلى الحبوب. الصومال يدخل موسم «دير» بعد انهيار محصول الموسم المقابل السابق إلى 15.6 ألف طن فقط، أقل 75% من متوسط السنوات الخمس، ولذلك سيكون توزيع البذور ودعم المزارعين وسرعة الاستيراد أكثر حساسية لأي انحراف جديد في الأمطار.
إن المؤشر العربي الأهم حتى مارس 2027 لن يكون سعر القمح منفرداً، حيث يجب أن نأخذ في الاعتبار الفارق بين أسعار القمح وأسعار الذرة والشعير، ثم نراقب بعده أسعار الدواجن والبيض واللحوم، فإذا استمرت حبوب العلف في الارتفاع أسرع، ستبدأ الحكومات بتعديل دعم الأعلاف وتسريع المناقصات وزيادة مخزون الذرة والشعير قبل أن يشعر المستهلك بأزمة في المخبز، حيث سيظهر حينئذٍ التحول كاملاً: أول ضغط غذائي في 2027 قد يصل إلى المائدة عبر الدجاجة التي أكلت الحبوب، لا عبر الحبوب التي أكلها الإنسان مباشرة.
قبل الحدث

عام 2027 ومعركة امتلاك فاتورة السائح

من لا يقيس الكربون سيدفع ثمنه في ٢٠٢٧

500 مليون دولار تبحث عن مشترٍ! نيجيريا تحقق نقلة نوعية في اقتصاد المعرفة

سبتمبر بين هرمز والفيدرالي… كيف تنتقل الحرب إلى جيب المستثمر الخليجي؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







