500 مليون دولار تبحث عن مشترٍ! نيجيريا تحقق نقلة نوعية في اقتصاد المعرفة

د. خالد صقر
٩ سبتمبر ٢٠٢٦
٥ دقائق
500 مليون دولار تبحث عن مشترٍ! نيجيريا تحقق نقلة نوعية في اقتصاد المعرفة

ملخص

تدخل نيجيريا نهاية ٢٠٢٦ بقدرة تمويلية غير مسبوقة للبحث والابتكار. لكن الرقم الذي سيحسم التجربة هو عدد التقنيات التي تتحول إلى عقود تجارية مستدامة.

مع بداية الشهر الحالي بلغ متوسط سعر الصرف الرسمي للعملة المحلية في نيجيريا نحو ١٣٢١٫٢٢ نايرا للدولار؛ وعلى هذا الأساس تبلغ قيمة دورة صندوق البحوث الوطني الجديدة نحو ٧٫٦ مليون دولار. الرقم ارتفع بنحو ٦٤٪ عن دورة ٢٠٢٥، التي موّلت ١٧٤ مشروعاً بما يعادل قرابة ٤٫٦ مليون دولار، حيث أعلنت إدارة الصندوق على فتح باب تقديم الأفكار البحثية حتى ١٥ أكتوبر القادم، ثم تبدأ عمليات الفرز والتقييم والدفاع عن المقترحات. هذه الزيادة مهمة، لكنها تكشف أيضاً أن تمويل إنتاج البحث نفسه ما زال صغيراً مقارنة بما تستعد الحكومة لإدخاله إلى النظام لاحقاً.

يأتي التحول الأكبر من الصندوق الوطني لتطوير البحث والابتكار (National Research and Innovation Development Fund) الذي وافق عليه مجلس الوزراء النيجيري في مايو، و تتحدث الحكومة عن تمويل سنوي قد يصل إلى ٥٠٠ مليون دولار عند اكتمال تشغيله. للمقارنة، جذبت شركات التكنولوجيا النيجيرية كلها نحو ٥٧٢ مليون دولار من الأسهم والديون خلال ٢٠٢٥، منها ٤١٢ مليوناً تمويل أسهم. أي أن السقف المعلن للصندوق يعادل نحو ٨٧٪ من رأس المال الذي دخل قطاع التكنولوجيا النيجيري بأكمله في ذلك العام، لكن المقارنة لا تعني أن الأموال الحكومية ورأس المال الجريء يؤديان الوظيفة نفسها، لكنها توضح حجم التدخل الذي يمكن أن ينشأ إذا تحولت الموافقة السياسية إلى تدفقات فعلية خلال ٢٠٢٧.

من المتوقع أن تزداد الأبحاث و النماذج الأولية خلال الربع الأخير من ٢٠٢٦ الداخلة إلى المنظومة؛ وفي الربع الأول من ٢٠٢٧ سيصبح السؤال أين توضع الأموال الجديدة؛ وإذا وُجّه جزء معتبر منها إلى المرحلة الواقعة بين النموذج الأولي والمنتج التجاري، يمكن أن يبدأ رأس المال الخاص بالدخول بعد انخفاض المخاطرة. نجاح هذه السلسلة سيغيّر وظيفة التمويل الحكومي من إنتاج أبحاث إضافية إلى تجهيز تقنيات يستطيع السوق تمويلها.

تفسر لنا البيانات لماذا يجب أن تكون هذه الحلقة هي الأولوية، حيث جاءت نيجيريا في المركز ١٠٥ عالمياً في مؤشر الابتكار ٢٠٢٥، لكنها احتلت المركز ٨٠ في المخرجات مقابل ١٢٧ في المدخلات. الأكثر دلالة أنها جاءت في المركز ١٢٨ في التعاون البحثي بين الجامعات والصناعة، و١٢٧ في عائدات الملكية الفكرية، و١٢٧ في تعقيد الإنتاج والصادرات، وبذلك يتضح المعنى الاقتصادي حيث تستطيع نيجيريا توليد نشاط ابتكاري يفوق ما توحي به مواردها المؤسسية، لكنها أضعف بكثير عندما يجب تحويل المعرفة إلى تقنية تستخدمها شركة أو إلى منتج يدخل سلسلة إنتاج وتجارة.

وقد حددت لجنة البحث والابتكار والتسويق موضع الاختناق بصورة أدق باستخدام مستويات الجاهزية التقنية (Technology Readiness Levels)، حيث تحتاج المشاريع في المرحلة التي ينتقل فيها النموذج من المختبر إلى الاختبار الواقعي عادةً إلى ما يعادل نحو ٧٦٠٠ إلى ٧٥٧٠٠ دولار للمشروع الواحد، وتعتبر هذه مبالغ صغيرة بالنسبة لصندوق حجمه المحتمل ٥٠٠ مليون دولار، لكنها كبيرة بما يكفي لأن تتجاوز كثيراً من المنح الأكاديمية التقليدية، ومبكرة بما يكفي كي يتجنبها المستثمر التجاري. هذه هي فجوة التمويل التي يجري إعداد صندوق لتسويق الابتكار لمعالجتها.

وتزداد أهمية هذه الفجوة لأن القطاع الخاص النيجيري لا يفتقر إلى رأس المال بقدر ما ينتقي نوع المخاطرة. سجلت نيجيريا ١٠٢ صفقة تقنية خلال ٢٠٢٥، وهو أكبر عدد في أفريقيا، لكن التكنولوجيا المالية استحوذت على ٥٦٪ من تمويل الأسهم. البرمجيات والخدمات المالية تستطيع الوصول إلى العميل والتوسع أسرع من جهاز طبي أو مادة صناعية أو تقنية زراعية تحتاج إلى اختبارات واعتماد وتصنيع. لهذا يمكن للتمويل العام أن يغيّر تركيب الابتكار النيجيري إذا استخدم لتحمل مخاطر التطوير المبكر، ثم ترك التوسع التجاري للمستثمرين والشركات.

وخلال أكتوبر ونوفمبر سيكتمل جزء آخر من السلسلة. يمتد برنامج تسويق الابتكار إلى الجنوب الجنوبي ثم الشمال الشرقي، حيث يجري اكتشاف مشروعات قابلة للتطبيق وربطها بالمصنعين والمستثمرين وجهات التمويل. الجنوب الجنوبي يملك طلباً طبيعياً على تقنيات الطاقة والبحر والبيئة، بينما تميل فرص الشمال الشرقي نحو الزراعة وإعادة الإعمار. إذا أنتجت هذه الجولات قاعدة وطنية قابلة للفرز حسب القطاع ودرجة الجاهزية، فسيدخل الصندوق الجديد ٢٠٢٧ وهو أمام قائمة مشروعات يمكن تقييمها بدلاً من توزيع التمويل على مقترحات منفصلة لا ترتبط بسوق واضح.

وفي الخلفية يجري ضخ ما يعادل أكثر من ٢٢٫٧ مليون دولار في حاضنات ابتكار جامعية متخصصة. هذه البنية ستزيد قدرة الجامعات على بناء النماذج الأولية في الذكاء الاصطناعي والتعدين والتصنيع والزراعة وغيرها. لكنها ستخلق أثراً عكسياً إذا لم تتسع قنوات التسويق معها: زيادة المختبرات تعني زيادة عدد التقنيات التي تصل إلى منتصف الطريق، وبالتالي قد تكبر فجوة التمويل بدلاً من أن تختفي.

ومن بداية ٢٠٢٧ ستظهر الحلقة التي تستطيع تحويل هذا كله إلى اقتصاد فعلي: المشتري الأول. سياسة «نيجيريا أولاً» تعطي المنتجات والشركات المحلية أولوية في المشتريات الحكومية، وبدأ تطبيقها بالفعل في قطاعات مثل السيارات والطاقة. إذا اجتازت التقنية المحلية اختبارات الجودة ثم حصلت على أول عقد حكومي، تظهر بيانات حقيقية عن الأداء والتكلفة؛ هذه البيانات تخفض مخاطرة المصنع أو البنك أو المستثمر التالي. أما شراء المنتج لمجرد أنه محلي فسوف يحمي مشروعات ضعيفة ويشوّه الاختبار التجاري. المعيار يجب أن يبقى الجودة والقيمة مقابل المال.

لهذا يوجد مؤشر واحد سيحسم نجاح التجربة أكثر من حجم الصندوق أو عدد عقود الاحتكار patents ألا وهو نسبة المشروعات التي تنتقل من نموذج أولي ممول إلى عقد تجاري متكرر مع مشترٍ مستقل. العقد الأول قد ينتج من الدعم الحكومي؛ أما تكرار الشراء فيعني أن التقنية حلّت مشكلة بسعر وجودة يقبلهما السوق. إذا بدأت هذه النسبة في الارتفاع خلال ٢٠٢٧، فستكون نيجيريا قد بنت مساراً يعمل من البحث إلى الإيراد. وإذا ارتفعت المنح وعقود الاحتكار والحاضنات بينما بقيت المبيعات المتكررة نادرة، فسيكون النظام قد أصبح أكبر من دون أن يصبح أكثر قدرة على تسويق المعرفة.

شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

أخبار ذات صلة

تابعنا على