حين يصبح الذكاء الاصطناعي حملاً كهربائياً قابلاً للبرمجة

د. خالد صقر
٣ سبتمبر ٢٠٢٦
٥ دقائق
حين يصبح الذكاء الاصطناعي حملاً كهربائياً قابلاً للبرمجة

ملخص

هل يصبح الذكاء الاصطناعي في أوروبا أداةً لضبط شبكة الكهرباء؟ حين تُقاس الحوسبة بوقت استهلاك الطاقة المتجددة، قد تتحول الخوارزمية نفسها إلى موردٍ شبكي حاسم جديد

استمع إلى المقال

0:00
6:23

في ٢٠٢٥ بلغت القدرة المركبة لمراكز البيانات في الاتحاد الأوروبي نحو ١٢ غيغاواط، وقد تتجاوز ٢٨ غيغاواط بحلول ٢٠٣٠. هذه الزيادة السريعة بدأت تغيّر طريقة تعامل أوروبا مع الذكاء الاصطناعي، لأن توسع القدرة الحاسوبية لم يعد منفصلاً عن السؤال الأصعب المتعلق بمصدر الكهرباء وقدرة الشبكات على توفيرها.

تستهلك مراكز البيانات حالياً قرابة ٢٫٥٪ من كهرباء الاتحاد الأوروبي. وفي الوقت نفسه تريد بروكسل توسيع البنية الحاسوبية لدعم «مصانع الذكاء الاصطناعي» وتقليل الاعتماد على الشركات والبنية التحتية خارج أوروبا. لكن إنشاء مراكز البيانات يتقدم في بعض المناطق بسرعة أكبر من توسع شبكات الكهرباء. لذلك أصبح تنظيم الذكاء الاصطناعي مرتبطاً مباشرة بسياسة الطاقة.

بدأ تطبيق جزء واسع من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي AI Act في ٢ أغسطس ٢٠٢٦، بما يشمل التزامات على نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة General-Purpose AI. ويأتي في ٢ ديسمبر موعد امتثال إضافي لبعض الأنظمة المولدة للمحتوى التي كانت مطروحة في السوق قبل أغسطس.

إحدى القواعد الأقل تداولاً تتعلق بالطاقة نفسها. على مزود النموذج أن يدرج في وثائقه التقنية استهلاك الطاقة المعروف أو المقدّر للنموذج. وإذا تعذر قياسه مباشرة، يمكن تقديره من حجم الموارد الحاسوبية المستخدمة. كما تستطيع المفوضية الأوروبية وضع منهجية موحدة تجعل هذه الحسابات قابلة للمقارنة والتحقق.

هذه الخطوة تكشف مقدار الطاقة الذي قد يستهلكه النموذج، لكنها لا توضح بالضرورة أين جاءت الكهرباء ومتى أُنتجت. وهذه فجوة مهمة لأن إنتاج الشمس والرياح يتغير خلال اليوم وبين دولة وأخرى. كيلوواط ساعة من الكهرباء المتجددة المتاحة ظهراً في إسبانيا لا يؤدي الوظيفة نفسها لشبكة مزدحمة في شمال أوروبا مساءً.

لهذا تفرض قواعد كفاءة الطاقة الأوروبية أيضاً على مراكز البيانات الكبيرة تقديم معلومات عن أدائها. وتشمل البيانات كفاءة استخدام الطاقة PUE، واستهلاك المياه، وإعادة استخدام الحرارة، ونسبة الكهرباء المتجددة Renewable Energy Factor. ويمكن للمركز احتساب الكهرباء المتجددة من خلال ضمانات المنشأ، أو اتفاقيات شراء الكهرباء PPA، أو التوليد المتجدد في الموقع.

مع ذلك تبقى المشكلة الأساسية قائمة. قد تعرف الجهة المنظمة مقدار الطاقة الذي استهلكه نموذج معين، وتعرف في الوقت نفسه أن مركز البيانات يشتري نسبة مرتفعة من الكهرباء المتجددة، من دون أن تعرف إن كانت الحوسبة جرت فعلاً في الساعات التي كانت فيها تلك الكهرباء النظيفة متاحة.

يمكن لمركز بيانات أن يشتري على مدار السنة كمية من الكهرباء المتجددة تعادل استهلاكه، ثم يعمل بأقصى قدرته في ساعات يقل فيها إنتاج الرياح والشمس. الحساب السنوي قد يبدو جيداً، بينما تضطر الشبكة في تلك اللحظات إلى تشغيل مصادر أخرى أو استيراد الكهرباء أو التعامل مع اختناقات إضافية.

من هنا جاء اهتمام المفوضية الأوروبية المتزايد بمفهوم flexibility، أي قدرة مراكز البيانات على تغيير توقيت استهلاكها وفق حالة شبكة الكهرباء.

إن بعض أعمال الذكاء الاصطناعي لا تحتاج إلى التنفيذ فوراً. تدريب نموذج كبير، أو تشغيل دفعات ضخمة من المهام غير العاجلة batch inference، يمكن في حالات كثيرة نقله إلى ساعات تكون فيها الكهرباء أكثر وفرة. ويمكن أحياناً توزيع العمل بين مراكز بيانات مختلفة إذا سمحت سرعة الاتصال وقواعد البيانات والبنية التقنية بذلك.

هنا يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من حل مشكلة الطاقة المتجددة، لا مجرد سبب لارتفاع الطلب عليها.

إذا زاد إنتاج الرياح خلال الليل، يمكن تشغيل جزء أكبر من الأحمال الحاسوبية في تلك الساعات. وإذا ازدحمت الشبكة في وقت الذروة، يمكن تأجيل بعض المهام. هذا ما يعرف في قطاع الكهرباء باسم demand response، أي تعديل الطلب بما يتناسب مع ظروف الشبكة.

قد تكون هذه القدرة أكثر أهمية من تحسين بسيط إضافي في كفاءة التبريد. فالشبكة التي تعتمد بصورة متزايدة على الشمس والرياح تحتاج إلى مستهلكين يستطيعون تغيير توقيت استهلاكهم. مراكز البيانات تملك هذه الخاصية في جزء من أعمالها بطريقة لا تتوافر مثلاً للمستشفيات أو القطارات أو كثير من المصانع.

لكن المرونة ليست مطلقة، فالمحادثات مع نماذج الذكاء الاصطناعي، ومحركات البحث، وبعض التطبيقات الصناعية تحتاج إلى استجابة سريعة ولا يمكن تأجيلها لساعات. كما أن نقل العمل بين مراكز البيانات يخضع لقيود تتعلق بزمن الاتصال، وأمن البيانات، والسيادة الرقمية، ومكان وجود الشرائح المتقدمة.

مع ذلك تظل التدريبات والمهام غير العاجلة كبيرة بما يكفي لكي تؤثر في تخطيط الشبكات. وهنا يظهر تحول مهم في طريقة التفكير. السؤال لم يعد فقط عن مقدار الكهرباء الذي يستهلكه مركز البيانات، وإنما عن توقيت هذا الاستهلاك ومكانه ومدى قدرته على التحرك.

وهذا يفسر أيضاً لماذا لا يكفي مؤشر PUE للحكم على استدامة مركز البيانات. فقد يصبح المركز أكثر كفاءة في استخدام الطاقة لكل عملية حاسوبية، ثم يرتفع استهلاكه الإجمالي لأن عدد الخوادم ووحدات المعالجة ازداد بسرعة.

إن تحسين الكفاءة يخفض كلفة الحوسبة، وانخفاض الكلفة يشجع على زيادة استخدامها. لذلك يمكن للتقدم التقني أن يبطئ نمو استهلاك الكهرباء من دون أن يؤدي بالضرورة إلى خفضه. ومع خطط أوروبا لتوسيع قدراتها الحاسوبية، تصبح هذه النقطة أكثر أهمية من المقارنة البسيطة بين مركز بيانات أكثر كفاءة وآخر أقل كفاءة.

خلال الربع الأخير من ٢٠٢٦ ستتزامن هذه التطورات مع استمرار المسار التشريعي لقانون Cloud and AI Development Act والعمل على إطار أوروبي لتصنيف استدامة مراكز البيانات. الاتجاه العام أصبح واضحاً. أوروبا تحاول أن تجعل توسع الذكاء الاصطناعي جزءاً من تخطيط الكهرباء، بدلاً من التعامل معه كقطاع رقمي يطلب الطاقة بعد بناء مراكزه.

المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون عدد الغيغاواطات الجديدة من الشمس والرياح وحده. الأهم هو قدرة أوروبا على معرفة متى وأين يستهلك الذكاء الاصطناعي الكهرباء، ثم تحويل الجزء المرن من هذا الاستهلاك إلى الساعات والمناطق التي تتوافر فيها الطاقة النظيفة.

إذا تحقق ذلك، ستتغير وظيفة مراكز البيانات داخل نظام الطاقة. لن تكتفي باستهلاك الكهرباء، بل ستصبح بعض أحمالها قابلة للجدولة وفق حالة الشبكة. عندها تصبح الخوارزمية نفسها عنصراً من عناصر إدارة الكهرباء الأوروبية.

شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

أخبار ذات صلة

تابعنا على