عجبتهم الفكرة؟ هذا لا يعني أنها مشروع!

فيروز أبو رمان
٤ أكتوبر ٢٠٢٦
٤ دقائق
عجبتهم الفكرة؟ هذا لا يعني أنها مشروع!

ملخص

١٠ آلاف إعجاب ولا عميل واحد؟ يمكن فكرتك مش ناجحة قد ما بتتخيّل! اكتشف الفرق بين إعجاب الناس بفكرتك واستعدادهم الفعلي للدفع مقابلها.

استمع إلى المقال

0:00
1:04

هناك جملة أسمعها كثيرًا من أصحاب الأفكار والمشاريع الناشئة: "حكيت الفكرة لأصحابي، وكلهم عجبتهم." ممتاز. مبروك. عندك الآن ثلاثة أصدقاء متحمسين… وليس ثلاثة عملاء.

قد يعجب صديقك بالفكرة لأنها جديدة، أو لأنه يحبك ويريد تشجيعك، أو لأنه ببساطة لا يريد أن يكون الشخص الذي يقول لك: "بصراحة؟ مش شايفها." وهذا طبيعي. أصحابك ليسوا لجنة استثمار، وغالبًا لن يفتح أحدهم محفظته في منتصف القعدة ويسألك: "وين أدفع؟"

وهنا السؤال الذي قد لا تحب سماعه: لو كانت فكرتك فعلًا ممتازة، هل الناس مستعدة أن تدفع مقابلها؟ أم أنها ممتازة فقط طالما أنها مجانية؟

هذا بالضبط هو الفرق بين الإعجاب بالفكرة وبين اختبارها في السوق. اختبار السوق (Market Validation) ليس أن تجمع أكبر عدد ممكن من "واو، رهيبة". هو أن تعرف إن كانت المشكلة موجودة فعلًا، وهل هي مزعجة بما يكفي ليبحث الناس عن حل، والأهم: هل سيدفعون مقابل هذا الحل؟

لأن هناك فرقًا كبيرًا بين شخص يقول لك: "أكيد بستخدمها"، وشخص تقول له: "ممتاز، الاشتراك بـ٣٠، نبدأ؟" فجأة يبدأ الشخص يتذكر أن عنده التزامات، وقسط سيارة، وخلافات زوجية وفجأة صار عنده أولويات بالحياة ما كان متذكرها قبل دقيقة. غريب كيف تصبح الآراء أكثر دقة عند ظهور السعر، صح؟

وهنا نصل إلى نقطة يحب أصحاب المشاريع تجاهلها قليلًا: الإعجابات او الLikes ليست مبيعات. نعم، من الجميل أن تنشر فكرتك وتحصل على مئات الإعجابات وتعليقات من نوع "وينكم من زمان؟" و "Take my money!"، لكن خلينا نكون صريحين: كثير من الناس يكتبون "خذوا أموالي (Take my money) وهم أصلًا لا ينوون إخراج دينار واحد. المشاهدات مؤشر اهتمام، والاستطلاع مؤشر اهتمام، والتعليقات مؤشر اهتمام… لكنها ليست طلبًا حقيقيًا بحد ذاتها.

وسؤال مستفز صغير: عندك ١٠٬٠٠٠ إعجاب وولا طلب؟ يمكن عندك منشور ناجح… مش مشروع ناجح.

خلينا نأخذ مثالًا بسيطًا. لنفترض أنك تفكر بإطلاق اشتراك للوجبات الصحية. تستطيع أن تسأل عشرة أشخاص: "لو في اشتراك يومي للوجبات الصحية، تشتركوا؟" وغالبًا ستسمع كثيرًا من: "أكيد"، "فكرة ممتازة"، "أنا أول واحد". جميل جدًا. الآن جرّب أن ترسل لهم السعر. هنا تبدأ المتعة الحقيقية. لأن السوق في هذه اللحظة ينتقل من الكلام المجاني… إلى القرار الحقيقي.

بدل أن تسأل عن الفكرة بشكل عام، حضّر عرضًا واضحًا: عدد الوجبات، الأيام، السعر وطريقة التوصيل. إذا قال عشرة أشخاص إن الفكرة ممتازة ولم يشترك أحد، هذه ليست كارثة. بالعكس، هذه معلومة ممتازة ورخيصة. أرخص بكثير من أن تكتشفها بعد أن تستأجر مطبخًا، وتطبع التغليف (Packaging)، وتفتح حساب إنستغرام، وتجلس أسبوعًا كاملًا تختار درجة الأخضر المناسبة للشعار (Logo).

وإذا اشترك شخصان فقط؟ أيضًا ممتاز. الآن عندك شيء حقيقي تبدأ منه. وإذا قالوا إن السعر مرتفع، أو إنهم يريدون ثلاثة أيام بدل خمسة، أو أن السعر أهم عندهم من عدد السعرات، فأنت بدأت أخيرًا تسمع السوق بدل أن تسمع نفسك.

وهنا نقطة مهمة: اختبار السوق (Market Validation) ليس امتحانًا هدفه أن يثبت أنك عبقري. لا يوجد ميدالية لمن يقول: "شفتوا؟ قلتلكم فكرتي رح تنجح." الهدف الحقيقي أن تكتشف أين كنت مخطئًا قبل أن يصبح الخطأ مكلفًا.

يمكن أن تكتشف أن الجمهور الذي تخيلته ليس هو الجمهور الحقيقي. يمكن أن تكتشف أن المشكلة موجودة، لكنها ليست مهمة بما يكفي للدفع. ويمكن أن تكتشف أن الناس تريد الحل، لكن بسعر مختلف تمامًا عن الأرقام التي بنيت عليها المشروع.

وصدقني، كل هذه الأخبار أفضل من أن تعرفها بعد ستة أشهر وأنت تقول: "بس أنا صرفت كثير، لازم أكمل." وهنا ندخل في قصة ثانية اسمها: كيف نرمي فلوسًا إضافية فقط لأننا رمينا فلوسًا من قبل.

كلما اقتربنا من الدفع والسلوك الحقيقي، صار الدليل أقوى.

هناك خطأ آخر نرتكبه كثيرًا أثناء اختبار الفكرة: نسأل العميل سؤالًا، لكن بعد أن نعطيه الإجابة مسبقًا. تقول له: "عندي تطبيق رهيب، رح يوفر عليك وقت، يحل لك المشكلة، وعنده ميزات (Features) مش موجودة بالسوق… بتحس إنها فكرة حلوة؟"

بصراحة… شو بدك منه يحكي؟ "لا والله ما حبيت"؟

الأذكى أن تبدأ من حياته هو، لا من حماسك أنت. اسأله كيف يحل المشكلة اليوم، وما أكثر شيء يزعجه، وكم مرة يواجهها، وهل سبق ودفع لحلها. هذه الأسئلة أقل إثارة من استعراض العرض التقديمي (Pitch)، لكنها أكثر فائدة بكثير.

وفي كثير من الأحيان ستكتشف أن المشكلة التي كنت متأكدًا أنها "المشكلة الأساسية" ليست كذلك أصلًا. يمكن أن تدخل مقتنعًا أن العميل يريد السرعة، ثم تكتشف أن السعر أهم. يمكن أن تعتقد أن جمهورك هم الموظفون، ثم تكتشف أن الشركة نفسها هي التي لديها الدافع الأكبر للدفع.

وهنا السؤال الأصعب: هل أنت فعلًا تختبر الفكرة؟ أم أنك تبحث عن أشخاص يقولون لك إنك صح؟

هذه نقطة يقع فيها مؤسسون كثيرون. يدخل مرحلة اختبار السوق (Market Validation) وهو لا يريد أن يتعلم، بل يريد تأكيدًا. يريد أن يسمع: "كمّل .. أنت عبقري". وإذا لم يسمعها، يغيّر السؤال حتى يحصل عليها. وهنا يصبح اختبار السوق (Market Validation) مجرد مسرحية لطيفة بينك وبين نفسك.

والحقيقة أن أفضل اختبار أحيانًا هو الذي يزعجك. لأنك إذا اكتشفت أن الفكرة ضعيفة اليوم، وفّرت على نفسك شهورًا من الوقت، ومصاريف، وصداع، واجتماعات، وربما شريكًا كان سيقول لك لاحقًا: "أنا من البداية كنت حاس." طبعًا بعد فوات الأوان.

نحن أيضًا نحب الأشياء التي تجعل المشروع "يبدو" حقيقيًا: الاسم، الشعار (Logo)، حساب إنستغرام، الموقع، بطاقات العمل. كلها ممتعة وتعطيك شعورًا أنك أصبحت مؤسسًا رسميًا. لكن المشروع لا يصبح حقيقيًا لأن عندك Font مرتب وBrand Guidelines  من ٤٠ صفحة.

قبل ما تختار الاسم والشعار وتدخل بدوامة الألوان… اسأل السؤال الأهم: مين رح يدفع؟ وليش؟

إذا لم تكن تعرف الإجابة بعد، عادي. لكن يمكن مشروعك لا يحتاج Logo جديدًا حاليًا. يمكن يحتاج ١٠ مكالمات مع عملاء محتملين. ويمكن يحتاج منك شجاعة تسمع جوابًا لا يعجبك.

وفي النهاية، السوق ما بجامل… ويمكن هاي أقسى وأفيد حقيقة ممكن تسمعها عن مشروعك.

شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

أخبار ذات صلة

تابعنا على