أرامكو تربح 380.6 مليار ريال في 9 أشهر.. فلماذا لا يلاحق النقد سخاء التوزيعات؟

4 نوفمبر 2026، 01:48 GMT
٧ دقائق
أرامكو تربح 380.6 مليار ريال في 9 أشهر.. فلماذا لا يلاحق النقد سخاء التوزيعات؟

ملخص

رغم تحقيق أرامكو أرباحًا بلغت 380.6 مليار ريال خلال 9 أشهر، تكشف التدفقات النقدية عن فجوة في تغطية التوزيعات وضغوط رأس المال العامل، تضع استدامة سياسة التوزيع تحت الاختبار.

ارتفع صافي دخل أرامكو السعودية 34.2% في الأشهر التسعة الأولى من 2026 إلى 380.6 مليار ريال. في الفترة نفسها انخفض صافي النقد الناتج من التشغيل 0.5% إلى 355.8 مليار، ولم يزد التدفق الحر سوى 2% ليبلغ 221.6 مليار، فغطّى 90% فقط من توزيعات المساهمين المدفوعة البالغة 246.2 مليار ريال. لا شيء هنا يشبه أزمة ملاءة، لكن فجوة بهذا الحجم بين الربح والنقد تستحق مساءلة أشد من الاحتفاء بضخامة الأرباح. وهي فجوة تعرف أدبيات التوزيعات سلوكها منذ عقود: الشركات تحمي توزيعاتها أكثر مما تحمي نقد الفترة.

الشركة قوية ماليًا، غير أن قوتها لا تعفيها من الأسئلة. المخزونات والذمم تتضخم، ومحفظة النقد والاستثمارات تتراجع، ومكسب التخارج الكبير لا يقابله نقد فوري، والتوزيعات تسبق التدفق الحر التراكمي. السؤال هو كم يكلّف الحفاظ على هذا السخاء إذا ساءت ظروف التشغيل والأسعار، وليس هل تستطيع أرامكو الدفع اليوم.

الربح المعلن يتجاوز النشاط الفعلي

بلغ صافي دخل الربع الثالث 135.9 مليار ريال مقابل 101 مليار قبل عام، بزيادة 34.6%. لكن صافي الدخل المعدل ارتفع 9% فقط، من 107.2 إلى 117 مليار ريال. وعلى أساس ربعي تنقلب الصورة: الربح المعدل تراجع 6.6% عن الربع الثاني (125.2 مليار)، بينما ارتفع الربح المعلن من 122.6 إلى 135.9 مليار. وتعزو الشركة ارتفاع الربح المعلن إلى مكسب بيع حصتها في بريفكيم وإلى زيادة الإيرادات.

الربح المعلن صحيح، والمعدل مقياس تكميلي تعرّفه الشركة بنفسها ولا يحصّنه من الأسئلة. لكن الفصل بين نمو النشاط وأثر البنود غير المتكررة ضروري، لأن المكسب الاستثنائي لا يصلح أساسًا لتوقع أرباح تتكرر كل ربع.

بريفكيم: مكسب اليوم وتحصيل على ست سنوات

سجلت أرامكو مكسبًا قدره 25.9 مليار ريال من بيع حصتها في بريفكيم. وتفاصيل الصفقة تبيّن أن هذا الرقم لا يعني نقدًا بالحجم نفسه. المكسب تكوّن من إلغاء إثبات صافي مطلوبات قدره 12.1 مليار ريال، وإثبات ذمم تجارية إضافية قدرها 13.8 مليار عن النفط الخام الذي تورّده أرامكو إلى الشركة. وعند الإقفال بلغ إجمالي الذمم التجارية على بريفكيم 27.5 مليار ريال، حُصّل منها 5.8 مليار، ويُسدَّد الباقي، وهو نحو 21.7 مليار بالطرح، على ست سنوات.

الربح المحاسبي، والالتزامات التي خرجت من الميزانية، والنقد الذي دخل فعلًا ثلاثة أشياء مختلفة. والتخلص من صافي المطلوبات فائدة اقتصادية حقيقية وليس حيلة محاسبية. لكن التحصيل الممتد يفتح أسئلة عن شروط الائتمان وكلفة الانتظار وضمانات السداد، وهي أسئلة للإدارة. ثمة أيضًا ملاحظة على قائمة التدفقات: بند "صافي (نقد مستبعد) متحصلات من بيع شركات منتسبة" يظهر بقيمة سالبة قدرها 4.9 مليار ريال في الربع الثالث، بينما يذكر التقرير أن الإقفال زاد النقد وما يماثله. البند يجمع صفقات أخرى، ولا يتيح التقرير عزل أثر بريفكيم وحدها، فالتوفيق بين الرقمين يحتاج إلى توضيح.

نمو نقدي ضعيف خلف أرباح قوية

انخفض التدفق التشغيلي من 357.6 إلى 355.8 مليار ريال، وارتفع التدفق الحر من 217.3 إلى 221.6 مليار. هذا التحسن الطفيف جاء من انخفاض الإنفاق الرأسمالي من 140.3 إلى 134.2 مليار، وليس من قوة التشغيل. والتقرير نفسه يعزو تراجع التدفق التشغيلي إلى تحركات غير مؤاتية في رأس المال العامل.

أما مصدر انخفاض الإنفاق فتفصّله أرقام القطاعات: إنفاق التكرير والكيميائيات والتسويق هبط 22.8% من 30.8 إلى 23.8 مليار ريال، بينما بقي إنفاق التنقيب والإنتاج شبه ثابت عند 106.8 مليار مقابل 105.8 مليار. وتعزو الشركة ذلك إلى التنفيذ المرحلي للإنفاق وتحسين محفظة الأعمال ومشاريع أوشكت على الاكتمال. هذا يخفف السؤال عن التضحية بالاستثمار في المنبع، لكنه يبقي سؤال التوقيت مفتوحًا: كم من الانخفاض كفاءة، وكم منه تأجيل يعود لاحقًا؟

رأس المال العامل يحتجز النقد

ارتفعت الذمم التجارية المدينة من 165.4 مليار ريال في نهاية 2025 إلى 240.6 مليار في نهاية سبتمبر، وزادت المخزونات من 70.5 إلى 115.7 مليار، وقفزت المبالغ المستحقة من الحكومة من 29.3 إلى 67.9 مليار. وبجمع بنود رأس المال العامل في قائمة التدفقات النقدية، بلغ صافي امتصاص النقد نحو 106.1 مليار ريال في الأشهر التسعة، بعد احتساب التمويل الذي وفرته زيادة الدائنين والريع المستحق. وبالطرح، امتصت هذه البنود نحو 110.1 مليار ريال في النصف الأول، ثم أعادت نحو 4.0 مليار في الربع الثالث وحده.

لا يثبت ذلك تعثر التحصيل. فجزء من الذمم يرتبط بأسعار أعلى، وجزء بذمم بريفكيم المتبقية، والتقرير لا يبيّن كم منها داخل الذمم التجارية. وفي الخلفية تضاعف تقريبًا الدخل الآخر المتعلق بالمبيعات إلى 167.7 مليار ريال من 84.3 مليار، فيما زادت المستحقات من الحكومة 38.6 مليار. والتقرير يعزو الدخل الآخر إلى ارتفاع أسعار التكافؤ المرجعية وزيادة كميات المنتجات المباعة بأسعار تحددها الحكومة. أما العلاقة بين البندين فتقديرية، ولا يفصح التقرير عنها. تحليل آجال التحصيل ومعدلات الدوران هو ما يحسم الحكم. المؤكد أن أموالًا أكبر صارت عالقة في دورة التشغيل.

النقد انخفض 41%، لكن الرقم وحده مضلل

انخفض النقد وما يماثله من 243.1 إلى 143.5 مليار ريال، أي 41%. غير أن جزءًا كبيرًا من الأموال انتقل إلى أوراق مالية، بصافي استثمار بلغ 58.9 مليار ريال خلال الفترة. وبجمع النقد والاستثمارات قصيرة الأجل والأوراق المالية المتداولة وغير المتداولة، ينخفض المجموع من 327.2 إلى 289.5 مليار ريال، أي 11.5%.

هذا تجميع حسابي وليس مقياسًا للسيولة الفورية، فالأوراق المالية تتفاوت في مخاطرها وسرعة تسييلها. لكن تراجع المحفظة الأوسع أخف كثيرًا من تراجع النقد وحده، ومن الخطأ بناء انطباع بأزمة على بند منفرد.

التوزيعات تسبق قدرة الفترة

دفعت أرامكو للمساهمين 246.2 مليار ريال في الأشهر التسعة مقابل تدفق حر قدره 221.6 مليار، بفجوة 24.6 مليار. وبحسب الأرباع، كان التدفق الحر في الربع الثالث 105.8 مليار ريال مقابل توزيعات مدفوعة 82.1 مليار، أي فائض 23.7 مليار. ومعنى ذلك بالطرح أن النصف الأول سجل تدفقًا حرًا نحو 115.9 مليار مقابل توزيعات نحو 164.2 مليار، بعجز تغطية يقارب 48.3 مليار. الربع الثالث قلّص الفجوة ولم يغلقها.

والتقرير يعزو ارتفاع التدفق الحر في الربع الثالث عن الربع الثاني، حين كان 46.0 مليار، إلى تحركات مؤاتية في رأس المال العامل وانخفاض الضرائب المدفوعة وتراجع الإنفاق الرأسمالي. بمعنى آخر، فائض الربع الثالث تدعمه عوامل قابلة للانعكاس.

وهذا النمط مألوف في أدبيات التوزيعات. فقد وجد جون لينتنر في دراسته الشهيرة عام 1956 أن الشركات تربط توزيعاتها بمستوى تعدّه مستدامًا من الأرباح، وتتردد في خفضها حتى حين يضعف نقد الفترة. وفي أرامكو ثبتت التوزيعات الربعية قرب 82 مليار ريال، بقيمة 0.3393 ريال للسهم في الأرباع الثلاثة، بينما تراوح التدفق الحر من 46.0 مليار في الربع الثاني إلى 105.8 مليار في الثالث، ونحو 69.9 مليار في الأول بالطرح. هذا الاتساق مؤشر لا حكم. فلينتنر درس شركات أمريكية موزعة الملكية، والحكومة تملك 81.5% من أسهم أرامكو وتلقت 200.7 مليار ريال من توزيعاتها في التسعة أشهر. والأرقام متسقة مع سلوكه، لكنها لا تثبت أن الإدارة تعمل بهذا المنطق. المؤكد أن انضباط التوزيعات لا يلغي الكلفة، بل ينقلها إلى النقد أو الاستثمارات أو التمويل.

والصورة أوسع من التوزيعات. بلغ صافي النقد المستخدم في أنشطة التمويل 270.4 مليار ريال مقابل التدفق الحر 221.6 مليار، بفارق 48.7 مليار. وهذا بعد صافي اقتراض قدره 11.0 مليار، وبعد فوائد مدفوعة 13.9 مليار، وأصل عقود إيجار 10.4 مليار، وتوزيعات للحصص غير المسيطرة 9.3 مليار، وشراء أسهم خزينة 2.3 مليار. الفجوة هنا لا تعني عجز أرامكو عن التمويل، فلديها نقد واستثمارات ومصادر متعددة، ولا يثبت التقرير أنها اقترضت لدفع التوزيعات. لكنها تعني أن الشركة تمول جزءًا معتبرًا من التزاماتها من مخزونها لا من تدفقها.

ويتقدم الربع الرابع بأعباء معلنة: توزيعات أساسية للربع الثالث بقيمة 82.1 مليار ريال ستُدفع فيه، ومساهمة نقدية في هيوماين تقارب 9.9 مليار ريال بعد إقفال الصفقة في نوفمبر. والحكومة، بامتلاكها الحصة الأكبر، هي المستفيد الأول من التوزيعات. وتصبح التوزيعات السخية أغلى حين تزاحم الاستثمار على النقد نفسه.

المنبع تحت الضغط والأسعار لا تحميه

ارتفع متوسط سعر النفط الخام المحقق في الربع الثالث من 70.1 إلى 95.2 دولارًا للبرميل، أي 25.1 دولارًا، ومع ذلك انخفضت أرباح التنقيب والإنتاج المعدلة قبل الفوائد والضرائب من 51.5 إلى 46.8 مليار دولار، وتراجع إجمالي إنتاج المواد الهيدروكربونية من 13.27 إلى 11.05 مليون برميل مكافئ نفطي يوميًا. وتربط الشركة ذلك بانخفاض الكميات المباعة وارتفاع ريع الإنتاج. وللإنصاف، تعافى الإنتاج من 9.46 مليون في الربع الثاني، والتقرير يتحدث عن اضطرابات تشغيلية وجيوسياسية وعن استهداف مرافق للشركة، ولا يتوقع أثرًا جوهريًا على مركزها المالي.

هذا لا يثبت تدهورًا هيكليًا في القدرة الإنتاجية. لكنه يكشف حدود الحماية التي تمنحها الأسعار المرتفعة حين تنخفض الأحجام وتزداد الأعباء. وعلى جانب التكاليف، قفزت مصروفات البيع والإدارة والعمومية في الربع الثالث إلى 46.4 مليار ريال من 20.9 مليار قبل عام، أساسًا بسبب الشحن وخسائر مرتبطة بالمشتقات، وهي في الأشهر التسعة 107.0 مليار مقابل 59.3 مليار. وارتفعت تكاليف التمويل في التسعة أشهر إلى 14.6 مليار ريال من 7.7 مليار. هذه الأرقام لا تحدد ما هو دائم من الأعباء، لكنها تستحق إفصاحًا أوضح من أن تمر بين سطور النمو.

قوة حقيقية ومساءلة قائمة

في المقابل، انخفض إجمالي القروض إلى 360 مليار ريال من 363.6 مليار في ديسمبر، وتراجعت نسبة المديونية إلى 5.5% من 6.2% في يونيو، وبلغ العائد على متوسط رأس المال المستثمر 22.1%. وارتفعت أرباح التكرير والكيميائيات والتسويق المعدلة 234% على أساس سنوي في الربع الثالث لتبلغ 10.3 مليار دولار، بفضل هوامش التكرير، وهي ما يعوّض ضغط المنبع. هذه نقاط قوة لا يجوز إسقاطها لخدمة رواية متشائمة، ولا استخدامها لإعفاء الإدارة من تفسير الضغوط.

أرامكو لا تبحث عن نجاة مالية. لكنها أمام اختبار أدق: إبقاء نمو الأرباح متصلًا بالنقد، وضبط رأس المال العامل، وموازنة التوزيعات مع الاستثمار. ضخامة الميزانية تشتري وقتًا ومرونة. أما الفجوات النقدية فلها كلفة، وعلى الإدارة أن تقول للمساهمين كيف ومتى ستُغلق.

عن الكاتب
إبراهيم جمال
ما وراء الأرقام

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .

الصفحة الكاملة وكل المقالات
شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

مقالات مقترحة

تابعنا على