هيئة السوق المالية تفتح باب مساءلة الإدارات الخاسرة.. لكن من يملك المفتاح؟

ملخص
يناقش المقال مقترحات هيئة السوق المالية لمساءلة الشركات الخاسرة، ويختبر معيار الخروج المحاسبي، ودور كبار المساهمين، وآثار ضوابط الرافعة على الاستثمار الخارجي، ومخاطر تراجع السيولة.
حين تبلغ خسائر شركة مدرجة نصف رأسمالها، لا يكون السؤال عن حجم الخسارة في القوائم المالية. السؤال هو عن قرارات الإدارة التي أوصلتها إلى هنا، وعمّا يستطيع المساهم فعله إذا بقيت الوعود بلا نتائج. من هذه الفجوة تنطلق مشروعات هيئة السوق المالية الأخيرة، وهي تقترح توسيع حقوق المساهمين وتشديد متابعة الشركات ذات الخسائر المتراكمة. وحجتي أن المشروع يفتح باباً حقيقياً للمساءلة، لكن معيار الخروج منه قد يغلقه قبل أن يدخل منه أحد.
«مديرو الشركات المساهمة، لأنهم يديرون أموال الآخرين لا أموالهم، قد لا يراقبونها باليقظة نفسها التي يراقب بها الشركاء أموالهم الخاصة». هكذا كتب آدم سميث في «ثروة الأمم»، الكتاب الخامس، الفصل الأول، قبل نحو 250 عاماً. الفصل بين ملكية الشركة وإدارتها يخلق حاجة دائمة إلى الرقابة، وما تطرحه الهيئة محاولة لسدّ هذه الحاجة بأدوات جديدة للمساهمين.
لكن «سميث» وصف وجهاً واحداً من المشكلة. في الشركات التي تتركز ملكيتها، يظهر وجه ثانٍ: مساهم مسيطر يملك كتلة تصويتية تمنحه نفوذاً أكبر من بقية المساهمين، وأقلية يصعب عليها التنسيق. فالسؤال عن المشروع هو: هل يعالج مشكلة المدير، أم مشكلة المسيطر، أم الاثنتين؟
وما يلي مشروعات لا قواعد نافذة. طرحت الهيئة مشروع تعزيز حوكمة الشركات المدرجة وتمكين المساهمين لاستطلاع المرئيات حتى 28 نوفمبر 2026. أما مشروع التعامل في الأسواق المالية خارج المملكة فانتهى استطلاعه في 27 أكتوبر، وتدرس الهيئة الملاحظات قبل اعتماد الصيغة النهائية. وتاريخ 1 نوفمبر 2026 موعد مستهدف مرتبط بذلك الاعتماد، وليس إعلاناً بأن الأحكام صارت نافذة.
الخطة التي قد تبقى جدول مواعيد
يقترح مشروع الحوكمة أن يحق للمساهمين الذين يملكون 5% على الأقل من الأسهم ذات حقوق التصويت طلب إدراج بند على جدول الجمعية العامة لإعداد خطة لمعالجة الخسائر المتراكمة، متى بلغت 50% أو أكثر من رأس المال. وإذا قررت الجمعية إعداد الخطة، تُعلن في "تداول السعودية" خلال 60 يوماً، مع تقارير متابعة شهرية أو ربع سنوية توضح التقدم وأسباب الانحراف والإجراءات المقترحة. وتستمر المتطلبات حتى تنخفض الخسائر إلى أقل من 20% من رأس المال.
أبدأ من آخر نقطة لأنها الأخطر. معيار الخروج محاسبي. وبعد تخفيض رأس المال لإطفاء الخسائر قد تهبط النسبة محاسبياً دون أن يتحسن التشغيل: لا تدفق نقدي أفضل ولا دين أخف ولا طلب أقوى. وهذا يثير سؤالاً عن كفاية هذا الحد وحده لإنهاء المتابعة. ويتوقف الأثر على آلية العملية ونص المشروع النهائي، لكن السؤال قائم من الآن: لماذا لا يرتبط الخروج بمؤشرات تشغيلية مثل التدفق النقدي من التشغيل وتكلفة خدمة الدين وهوامش الربحية؟
ثم من يتحمل الكلفة؟ لكل أداة علاج توزيعها. زيادة رأس المال تخفف حصة من لا يشارك فيها. وتحويل الديون إلى أسهم يحدد من يقبل الخصم وبأي سعر، وبذلك قد يعيد ترتيب السيطرة. أما خفض رأس المال فيعالج رصيد خسارة وقعت فعلاً ولا يضيف قيمة جديدة للشركة. هذه الأسئلة لا يجيب عنها ما أُعلن حتى الآن، وهي التي ستقرر هل تحمي الخطط الأقلية أم تعيد توزيع النفوذ. وهي أسئلة مفتوحة لا اتهام لأحد.
وعتبة 5% تحتاج إلى اختبار بالأرقام. في شركة ذات تداول حر محدود وملكية مركزة، قد لا يبلغها المساهمون المستقلون مجتمعين، فضلاً عن أن يقدّموا طلباً موحداً. كما يقترح المشروع الإفصاح عن أسماء ونسب من يملكون 1% فأكثر أو أكبر 20 مساهماً، أيهما أكثر عدداً، في الشركات التي بلغت خسائرها 50% فأكثر. هذا يكشف بنية الملكية، لكنه لا يكشف الاتفاقات بين المساهمين ولا ترتيبات السيطرة غير المباشرة.
حقوق الجمعيات والأطراف ذات العلاقة
لا تقف المقترحات عند الشركات الخاسرة. فهي تتيح لمن يملكون 5% طلب عقد الجمعية حضورياً بالتزامن مع انعقادها عبر الوسائل التقنية، وتطوّر حق طرح الأسئلة وإضافة البنود، وتوجب نشر محاضر الجمعيات خلال عشرة أيام عمل. وتوسع نطاق الأطراف ذوي العلاقة، وتحمّل مجالس الإدارات ولجان المراجعة مسؤولية التحقق من عدالة التعاملات، وتشترط استقلال رئيس لجنة المراجعة.
الصفقة مع طرف ذي علاقة ليست مرفوضة بذاتها، فقد تكون ضرورية للنشاط. المحك شروطها: هل هي بأسعار السوق، ومن قرر، ومن راجع، وماذا عرف المساهم قبل التصويت؟ واستقلال رئيس لجنة المراجعة يعالج جزءاً من ذلك، لكنه يترك سؤال من يملك التصويت على تعيينه.
الأسواق الخارجية: الرافعة والسيولة
يتناول مشروع التعامل في الأسواق الخارجية علاقة مؤسسات السوق المالية بعملائها عند تنفيذ صفقات خارج المملكة. نطاقه يختلف عن مشروع الحوكمة: الأول ينظم الخدمات الاستثمارية وإدارة مخاطرها، والثاني يعنى بحوكمة الشركات المدرجة وحقوق مساهميها. فلا يصح التعامل معهما حزمة واحدة.
بحسب الوثيقة التنظيمية، كما نقلتها تقارير صحفية، يطلب المشروع من العميل هامشاً أولياً لا يقل عن 50% من قيمة الصفقة، ومراقبة يومية للهامش بحيث لا يقل عن 25% من القيمة الحالية للمركز. ويحظر تنفيذ صفقات الهامش على أدوات ذات رافعة مالية مرتفعة، وعلى شركات تتجاوز خسائرها المتراكمة نصف رأسمالها. وينظم كذلك استخدام ممتلكات العملاء ومعلوماتهم، ومنها المنافع المرتبطة بإقراض الأوراق المالية أو الدفع مقابل تدفق الأوامر.
وهنا سؤال للهيئة السوق المالية. اتخذت عتبة الخسائر المتراكمة البالغة نصف رأس المال معياراً لحظر التمويل بالهامش على أسهم شركات في الخارج. فما سبب اختيارها هناك؟ وهل تصلح العتبة نفسها إنذاراً للمستثمر المحلي؟ لا أقول إن القاعدة تنتقل كما هي: مخاطر الوسيط ونطاق التنظيم وعمق السيولة تختلف بين السوقين. لكن على الهيئة أن تشرح لماذا تحمي عتبة من الرافعة في الخارج، وتكتفي في الداخل بخطة تُعلن.
وللمسألة حجم يستحق الذكر. نقلت «الاقتصادية» أن قيمة التداولات المنفذة عبر مؤسسات السوق المالية السعودية في الأسواق الخارجية بلغت نحو 264.4 مليار ريال في الربع الأول من 2026، مقابل أصول عملاء في الأوراق الخارجية بنحو 36.5 مليار ريال في نهاية الفترة. بقسمة الأول على الثاني يخرج نحو 7.2 مرة، وهو مؤشر على كثافة التداول مقارنة بالأصول لا يبيّن حجم ما موّله الهامش منه. ولن نعرف أثر القواعد الجديدة على السيولة وكلفة الاستثمار قبل أن تنشر الهيئة بيانات الهامش نفسها.
ما يجب أن نقيسه
سأحكم على المشروعين بعد اعتمادهما بأرقام محددة. كم شركة تلقت طلب بند من مساهمين فعلاً؟ كم خطة أُقرّت وأُعلنت؟ كم منها ربط أهدافه بمؤشرات تشغيلية وكم اكتفى بخفض رأس المال؟ كيف تحرك التدفق النقدي من التشغيل والمديونية بعد 12 و24 شهراً؟ وكم مساهماً من الأقلية استطاع بلوغ 5%؟
فإن بقي معيار الخروج محاسبياً، فسيكون سميث قد كسب الجولة مرة أخرى.

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .
الصفحة الكاملة وكل المقالاتما وراء الأرقام

وزن 8% لمصر في مؤشر «جي بي مورغان»: ماذا تقول البيانات هل تدفقت دولارات جديدة؟

56 جنيهاً للدولار: ماذا تكشف الأرقام عن الأموال الساخنة؟ وهل يقفز إلى 70؟

يد ساويرس في الماء ويد المستثمر الصغير في النار.. هل الهبوط فرصة فعلًا للشراء؟

السعودية وتاجر الخامسة عشرة: من يرسم حدود اللحاف ومن يتحمل الخسارة؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







