يد ساويرس في الماء ويد المستثمر الصغير في النار.. هل الهبوط فرصة فعلًا للشراء؟

ملخص
يفحص تصريحات نجيب ساويرس عن «الفرصة المغرية» في البورصة، ويفرق بين هبوط السعر ورخص السهم ويسأل عن أثرها على صغار المستثمرين وخروج الأجانب، بلا اتهام أو جزم ويدعو لمزيد من الشفافية.
استمع إلى المقال
"اللي إيده في الميه مش زي اللي إيده في النار"، مثل مصري يصلح مفتاحًا لقراءة تصريحات المهندس نجيب ساويرس عن البورصة المصرية. حين يقول رجل أعمال بحجمه إن "اللي بيخاف مش بيكسب"، فهو يتحدث بيدٍ في الماء، أما من يسمعه فقد تكون مدخراته كلها معلقة بسهم أو اثنين، ويده في النار.
وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا في تغطية سوق المال، عاصرتُ مئات بل آلاف المواقف التي جمعت نجيب ساويرس بالبورصة المصرية، من الهجوم إلى الإشادة، ومن الترويج للصفقات والشركات إلى الجدل حول الضرائب والازدواج الضريبي، وما صاحب بعض ذلك من نزاعات أمام القضاء. ورحلته طويلة عبر استثماراته وشركاته. وهذه الخبرة تُلزمني بالإنصاف: محل المساءلة هنا تصريح قيل في ليلة ذعر، وليست مسيرة رجل.
بافيت قال نصف الجملة.. فأين النصف الآخر؟
يستند المتفائلون في لحظات كهذه إلى وارن بافيت: كن خائفًا حين يكون الآخرون جشعين، وجشعًا حين يكونون خائفين. والمعنى الاستثماري المنضبط للمقولة أنها نصفان، حذر وقت الجشع وشراء وقت الخوف، وأن الشراء يفترض تقييمًا للشركة ورأس مال يحتمل التقلب.
وقد صعد المؤشر الرئيسي للبورصة المصرية EGX30 من نحو 41 ألف نقطة في مطلع يناير إلى 55664 نقطة في منتصف سبتمبر، أي بنحو 35% (الفرق 14424 نقطة مقسومًا على نحو 41240). فهل سمع الجمهور النصف الأول من القاعدة حين كانت الأسعار تصعد؟ لم أعثر على ما يفيد ذلك فيما راجعته، والسؤال مشروع.
ليلة الذعر.. وتوصية بالشراء على الملأ
جاءت مداخلة ساويرس بعد أسبوع قاسٍ على المستثمرين. ففي جلسة الأحد 25 أكتوبر توقف التداول نصف ساعة بعد أن تجاوز EGX100 حد التراجع المقرر وسط موجة بيع حادة. وفي جلسة الاثنين هبط EGX30 بنسبة 1.66% إلى 48416 نقطة، وانخفض رأس المال السوقي نحو 46.4 مليار جنيه، وهو تراجع في القيمة المحسوبة للأسهم وليس نقدًا خرج من الحسابات.
وفي مساء اليوم نفسه قال ساويرس في مداخلة هاتفية ببرنامج "حضرة المواطن" إن الأسعار مغرية لزيادة حصته في أي شركة، وإن المؤشرات مرجحة للصعود في الأيام المقبلة، وإن المسار النزولي سيتوقف في وقت قريب.
ارتداد يوم واحد لا يصنع فرصة ولا يثبت تقييمًا
وفي اليوم التالي ارتفعت المؤشرات. فبحسب بيانات جلسة الثلاثاء 27 أكتوبر، صعد EGX30 بنسبة 3.49% إلى 50104 نقاط، وقفز مؤشر الأسهم الصغيرة والمتوسطة EGX70 بنسبة 6.79%، وارتفعت أسعار 207 أسهم مقابل تراجع 8. وهذا يعني أن توقعه تحقق اتجاهيًا في الجلسة التالية، والإنصاف يقتضي قول ذلك.
لكن جلسة واحدة لا تكفي لإثبات أن المسار النزولي انتهى. فالمؤشر ما زال أدنى بنحو 6.4% من إغلاق 5 أكتوبر عند 53553 نقطة (الفرق 3449 نقطة مقسومًا على 53553). وقيادة الارتداد جاءت من الشركات المتوسطة والصغيرة أكثر من المؤشر الرئيسي، في حين تحدث ساويرس عن أسعار شركات كثيرة وكبيرة. وارتداد بهذا الاتساع بعد هبوط حاد قد يكون إعادة شراء قصيرة الأجل، وقد يكون بداية اتجاه، والجلسة وحدها لا تفرق بينهما. وصحة التوقع في يوم لا تثبت صحة التقييم الذي بُني عليه.
فرصة بلا اسم سهم.. وتوصية بلا رقم
وجوهر الإشكال أن تصريح المهندس نجيب ساويرس يصعب فحصه، فلم يذكر سهمًا بالاسم ولا مضاعف ربحية ولا توزيعات ولا ديونًا. حجته أن أسهمًا كان يفكر فيها انخفضت بنسبة 10% أو 15%. والانخفاض وصف للسعر وليس حكمًا على القيمة، فقد يعني أن السهم أرخص، وقد يعني أن أرباحه ستتراجع. وفي المداخلة لم أجد ربطًا بين دعوته إلى الشراء وأثر الدولار وتدفقات الخارج على أرباح الشركات.
هل اشترى ساويرس فعلًا؟
وفي المداخلة نفسها تفصيل لافت. قال إنه يتجنب شراء أسهم شركته الخاصة، لأن الناس قد تظن أنه يعرف ما لا يعرفونه. أي أنه يدرك أن تحركاته تُقرأ كمعلومة. فهل اشترى فعلًا ما قال إنه مغرٍ؟ ومن أي شركات وبأي حجم؟
ومن حق الجمهور أن يسأله إن كان قد اشترى فعلًا، وأن يوضح - إن اختار الإفصاح - الأساس الذي جعله يرى هذه الأسهم فرصة.
وهذا سؤال صحفي مستقل عن قواعد الإفصاح الرسمية، فمن يدعو إلى الشراء يملك أن يقول ما فعله بنفسه.
من يتحمل ثمن الانتظار؟
وفي اختلاف القدرة على الاحتمال يصدق المثل. ذكرت العربية في ديسمبر 2025 أن نصف استثمارات ساويرس يتركز في منصات الذهب والمناجم العالمية. ولا أعرف حجم انكشافه على الأسهم المصرية تحديدًا، لكن محفظة موزعة على أصول متعددة تتحمل تقلبات لا يتحملها صاحب مدخرات في حساب سمسرة قد يضطر إلى البيع لأنه يحتاج السيولة.
هل يشتري الصغار ما يبيعه الأجانب؟
السؤال الذي يتردد في ذهني بعد أن استمعت إلى المداخلة مرات عدة هو: هل تخدم هذه التصريحات خروج الأجانب؟ البيانات لا تثبت ذلك. ففي جلسة الارتداد باع الأجانب بصافي 227.9 مليون جنيه، واشترى المصريون بصافي 217.8 مليون والعرب بصافي 10.1 مليون. وهذا وصف لصافي التعاملات، ولا يكشف من اشترى ممن، ولا يثبت أن تصريح ساويرس هو ما دفع المشترين.
وفي جلسة 11 أكتوبر انعكست الصورة، إذ باع المصريون بصافي 95.3 مليون جنيه واشترى الأجانب، وكانت حصة الأجانب 1.81% فقط من التداول. أما الضغط الأوضح فهو في الدين والعملة، إذ تجاوزت مبيعات الأجانب في أدوات الدين 2.1 مليار دولار في أسبوع، وبلغ الدولار 55.27 جنيهًا. وخروج الأجانب من الدين ليس بالضرورة خروجًا من الأسهم، وإن كان قد ينعكس عليها عبر تكلفة الاستيراد وتوقعات الأرباح. وكل ما يمكن قوله إن سوقًا تسيطر عليه تعاملات المصريين قد يتأثر بعنوان "فرصة مغرية"، وهذا احتمال يستحق الفحص وليس نتيجة تثبتها أرقام جلسة.
من يحاسب ساويرس إذا ثبت أن كلامه مضلل؟
والسؤال الأهم: هل يحاسب أحد نجيب ساويرس إذا ثبت أن كلامه مضلل؟ يكلف قانون سوق رأس المال الهيئة العامة للرقابة المالية بمراقبة السوق للتأكد من أن التعامل غير مشوب بالغش أو النصب أو الاحتيال أو الاستغلال أو المضاربات الوهمية. وتعاقب المادة 63 بالحبس مدة لا تزيد على خمس سنوات وبغرامة قد تبلغ عشرين مليون جنيه أو مثلي النفع، كل من حاول بطريق التدليس التأثير على أسعار السوق. ولرئيس الهيئة بعد تحقيق أن يوقف متعاملًا عن الشراء مدة لا تجاوز ستة أشهر في مخالفات التلاعب. ولا تُحرَّك الدعوى الجنائية في هذه الجرائم إلا بطلب من رئيس الهيئة، ويجوز له التصالح.
وهذه نصوص تصف مسارًا، ولا تقرر أن تصريح ساويرس يدخل فيها. فالتكييف يتوقف على الوقائع وطبيعة الكلام ومضمونه وقصد صاحبه، وليس في المتاح ما يشير إلى ذلك، ولا أوجه إليه هذا الاتهام. والمسألة هنا تحتاج رأيًا قانونيًا متخصصًا. أما المساءلة العملية المتاحة فهي المساءلة العلنية: أن يسمي الأسهم التي يراها مغرية، ويكشف إن اشترى وبأي حجم، ويحدد ما يقصده بالأيام المقبلة، فيُقاس توقعه بمدة ومعيار يحددهما هو. وجلسة ارتداد واحدة لا تكفي لهذا القياس.
من يضع يده في الماء يستطيع أن يطمئن الجميع. لكن الطمأنينة التي لا تُختبر تبقى رأيًا، ومن يضع يده في النار هو من يدفع ثمن الاختبار.

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .
الصفحة الكاملة وكل المقالاتما وراء الأرقام

السعودية وتاجر الخامسة عشرة: من يرسم حدود اللحاف ومن يتحمل الخسارة؟

بنك القاهرة عند السقفين: حسم التصويت واختبار السوق يبدأ بعد التداول

500 ريال مقابل فاتورة أقل: السعودية تسبق موازنة 2027 بحزمة دعم بلا كلفة معلنة

بورصة مصرية والأموال الساخنة:«اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي»..فهل نفخنا؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







