500 ريال مقابل فاتورة أقل: السعودية تسبق موازنة 2027 بحزمة دعم بلا كلفة معلنة

ملخص
يناقش المقال بدل الـ500 ريال مع رفع تعريفتَي الكهرباء والمياه، ويسأل عن تكلفة الحزمة ومصدر تمويلها وأثرها على الأسر والمنشآت، وسط غياب بيانات حاسمة الآن وبعده
استمع إلى المقال
في 30 سبتمبر قدّرت وزارة المالية السعودية عجز موازنة 2027 بنحو 191 مليار ريال. وبعد 25 يومًا صدر توجيه ملكي يضيف التزامًا شهريًا قدره 500 ريال لكل موظف مدني وعسكري ومتقاعد وأسرة ضمان، بالتزامن مع رفع تعريفتي الكهرباء والمياه من يناير. حتى كتابة هذه السطور لم تُعلن كلفة الالتزام ولا مدته ولا مصدر تمويله.
ما الذي تقرر؟
يشمل البدل أربع فئات: الموظفين المدنيين والعسكريين على سلالم الخدمة المدنية وبنود برامج التشغيل، والمتقاعدين، والمستحقين عن المشترك المتوفى، وأسر الضمان الاجتماعي. ويبدأ صرفه للمتقاعدين تلقائيًا في 1 يناير 2027. وللعاملين السعوديين في القطاع الخاص إجراء آخر: ترتفع عتبة الأجر الذي يُحتسب عنده العامل كاملًا في نسب التوطين من 4,000 ريال، بحسب أدلة متخصصة، إلى 5,000 بعد ستة أشهر من بدء الإجراء، ثم إلى 6,000 بعد اثني عشر شهرًا من تطبيق الزيادة الأولى. العناوين التي وصفت ذلك برفع الحد الأدنى للأجور غير دقيقة، فلا يوجد حد أدنى قانوني عام لأجور السعوديين في القطاع الخاص.
والنص الرسمي، يربط الدعم الشهري "بالإسهام في تخفيف الأثر المترتب على تعديل تعريفتي الكهرباء والمياه"، ويشمل ذلك الإجراء الخاص بموظفي القطاع الخاص.
والتعريفتان تبدآن معًا في يناير. تعريفة الكهرباء السكنية 21 هللة للكيلوواط ساعة حتى 6,000 و33 هللة فوقها، مقابل 18 و30 منذ 2018. ويحل رسم ثابت يبدأ من 70 ريالًا شهريًا للقواطع من 20 إلى أقل من 100 أمبير محل رسم قراءة العداد والفوترة. والتعريفة التجارية 25 هللة حتى 6,000 و35 فوقها، والصناعية 23. وفي المياه أربع شرائح سكنية للمجموع المركّب من الماء والصرف: 1.5 ريال للمتر حتى 15 مترًا، و3 حتى 30، و6 حتى 45، و9 فوق ذلك. ويحل رسم ثابت 20 ريالًا للمياه و10 للصرف للعداد حتى 20 ملم محل رسم العداد. الجداول لا تشمل ضريبة القيمة المضافة.
500 ريال شهريًا للموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الضمان مع تعريفتي الكهرباء والمياه الجديدة.. هذا ما يتغير في فاتورة منزلك من 2027
ما تقوله الأرقام عن الأسرة
خذ أسرة تستهلك 3,000 كيلوواط ساعة و30 مترًا مكعبًا شهريًا، وهو افتراض توضيحي وليس متوسطًا رسميًا. ترتفع فاتورتها 90 ريالًا في الكهرباء، أي 3 هللات على كل كيلوواط ساعة، ونحو 43 ريالًا في المياه بسبب الانتقال بين الشريحتين الأولى والثانية. ويضاف صافي الرسمين الثابتين: 100 ريال جديدة (70 للكهرباء و30 للمياه) ناقص رسمي العداد القديمين اللذين لم تُعلن قيمتهما. إذا كانا بين صفر و20 ريالًا فالزيادة بين 213 و233 ريالًا قبل الضريبة، وبين 245 و268 بعدها.
البدل 500 ريال للفرد المشمول، أي ما يقارب ضعف هذه الزيادة. وإذا ضم البيت موظفًا ومتقاعدًا فالمبلغ 1,000. والحد الذي تتعادل عنده الزيادة مع البدل يقترب من 10 آلاف كيلوواط ساعة شهريًا بالأرقام نفسها، وهو تقدير تقريبي يتحرك مع حجم القاطع والرسوم القديمة. أي أن الحزمة أقرب إلى دعم دخل منها إلى تعويض فاتورة.
كلفة بلا رقم
ثلاثة ملايين مستفيد، افتراضًا لا تقديرًا رسميًا، تعني 18 مليار ريال سنويًا، وهو رقم يبدو محدودًا في موازنة مصروفاتها 1.392 تريليون. وللرقم مرجع تاريخي: حين عُلّق بدل غلاء المعيشة في 2020 قُدّر عدد المتأثرين بـنحو 1.5 مليون موظف حكومي، فبدل 500 ريال لهم وحدهم يساوي 9 مليارات ريال سنويًا، قبل المتقاعدين وأسر الضمان.
وبيان 30 سبتمبر قدّر الإيرادات بـ1.202 تريليون والمصروفات 1.392 تريليون، بعجز 3.6% من الناتج، بعد أن رفعت الوزارة عجز 2026 إلى 245 مليار ريال (4.9%) مقابل 165 في الموازنة الأصلية. وتتوقع الوزارة انكماش الناتج الحقيقي 3.6% في 2026، مع تراجع النشاط النفطي نحو 21.8% ونمو غير نفطي 3.2%. وهذا النمو للعام كله يقتضي، كما تُظهر الأرقام الرسمية، أن النصف الأول لم يتجاوز 1.8%، أي أن النصف الثاني يجب أن يتسارع إلى ما يقارب 4.6% بافتراض تساوي وزن النصفين، وهو تبسيط يخفف الأوزان الموسمية.
الخطة المعلنة هي الاقتراض. وزير المالية قال إن عجز 2027 سيُغطى باقتراض محلي ودولي، وإن الخطة التفصيلية تُعلن قبل نهاية العام. وخطة 2026 كانت قد قدّرت الاحتياج بـ217 مليار ريال، أي عجز 165 واستحقاقات 52. وبالعجز المعدّل يقترب الاحتياج من 297 مليارًا إذا بقيت الاستحقاقات. والبيان نفسه يقوم، كما يلاحظ معهد دول الخليج العربية في واشنطن، على خفض الإنفاق الاسمي 3% دون تفصيل لمواضعه. ولم يتضح من الإعلانات المنشورة هل الحزمة داخل الـ191 مليارًا أم خارجها.
وفيتش أبقت التصنيف عند A+ وتوقعت عجزًا يبلغ 4.7% من الناتج في 2027 مقابل 3.6% عند الوزارة. الفارق 1.1 نقطة مئوية، أي نحو 58 مليار ريال على ناتج اسمي يقارب 5.3 تريليون (191 مقسومة على 0.036). وهو يقيس حجم الخلاف بين تقديرين سابقين على الحزمة، ولا يضيف شيئًا إليها. وإذا كان البدل التزامًا دائمًا فإن 18 مليار ريال، أي 4.8 مليار دولار، تساوي نحو دولارين للبرميل عند تصدير 6 ملايين برميل يوميًا، وهو افتراض توضيحي فقط، فالمعادلة تضيق إذا كانت الكميات المصدّرة أقل.
وبعد ذلك يأتي الرقم المفقود. الشركتان لا تنشران قيمة الدعم الحكومي عن فرق التعريفة، فلا يمكن القول كم يوفّر رفع الأسعار على الخزينة. إذا تراجع هذا الدعم بقدر ما ارتفعت الفواتير فجزء من البدل يُموَّل من الوفر نفسه، والكلفة الصافية أقل من الإجمالية. أما قيمة هذا التراجع فمجهولة.
من يتحمل ومن يُستثنى
المقيمون، وعددهم نحو 13.4 مليونًا بحسب تعداد 2022، يدفعون التعريفة الجديدة كاملة بلا بدل. والسعودي في القطاع الخاص لا يتسلم بدلًا نقديًا، وتتوقف استفادته على امتثال منشأته للعتبة. وأصحاب الاستهلاك المرتفع يتحملون ما يزيد على البدل. والمبلغ المقطوع لا يميز بين استهلاك وآخر: يعوّض الأسر الصغيرة بأكثر من فواتيرها، ويقل عن حاجة الأسر الكبيرة. ونسبته إلى الدخل تختلف: 12.5% لمتقاعد راتبه 4,000، و2.5% لموظف راتبه 20,000.
الشركات وأجر الاحتساب
ارتفاع العتبة من 4,000 إلى 6,000 ريال يعني 24 ألف ريال سنويًا للعامل، قبل التأمينات ومكافأة نهاية الخدمة. منشأة بمئة سعودي عند الحد الحالي تواجه 2.4 مليون ريال إضافية سنويًا إن أرادت أن يبقوا كاملين في الاحتساب. وبدء الإجراء غير محدد: إذا حُسب من 1 يناير فالمرحلتان في يوليو 2027 ويوليو 2028، وإذا حُسب من تاريخ التوجيه فهما في أبريل 2027 وأبريل 2028. أمام المنشأة رفع الأجور، أو القبول بتصنيف أدنى وما يترتب عليه، أو تقليل الوظائف الدنيا للسعوديين، أو الأتمتة. وهذه الكلفة ترافق تعديل تعريفة الكهرباء التجارية والصناعية. ولا يُعرف عدد السعوديين في القطاع الخاص دون 5,000 أو 6,000، وهو الرقم الذي تُقاس به الصدمة.
سابقة 2018
ليست هذه المرة الأولى. في 6 يناير 2018، بعد رفع البنزين وبدء ضريبة القيمة المضافة، أمر الملك سلمان بن عبدالعزيز ببدل 1,000 ريال شهريًا لموظفي الدولة لمدة عام. وجُدد في ديسمبر 2018 لسنة مالية أخرى ريثما تكتمل دراسة الحماية الاجتماعية، ثم عُلّق اعتبارًا من يونيو 2020 مع رفع الضريبة من 5% إلى 15%، وقال وزير المالية إنه مؤقت. فالبدل المؤقت عاش أكثر من سنتين ونصف السنة. والتوجيه الحالي لم تذكر نصوصه المنشورة مدة له. والمقارنة تُظهر فروقًا: جاء بدل 2018 بعد رفع الأسعار بخمسة أيام، وبدل اليوم قبله بـ68 يومًا، وهو نصف قيمته، وصدر خارج دورة الميزانية في ديسمبر. فلا يمكن وصفه بأنه موسمي، ولا بأنه الأول.
القاهرة: المستهدف لا الجدول
في ختام "منتدى مصر 2026" أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، بحضور الرئيس السيسي، استهداف رفع الحد الأدنى للأجور من 8 آلاف إلى 15 ألف جنيه بحلول العام المالي 2029/2030، بزيادة 87.5%، لصالح 4.5 مليون موظف بالدولة على الأقل. وهو مستهدف لا قرار تنفيذي، إذ لم يُحدد موعد نهائي للتطبيق، وسيتم عبر زيادات تدريجية. بثلاث زيادات سنوية متساوية (يوليو 2027 و2028 و2029) تبلغ كل منها نحو 23%، وهذا حسابي لا إعلان.
وقيمته الحقيقية رهن بالتضخم الذي بلغ 13.9% في المدن في سبتمبر و12.8% في إجمالي الجمهورية. إذا بقي المعدل الحضري عند 13.9% أربع سنوات فالحد الأدنى يحتاج 13,464 جنيهًا فقط ليحافظ على قوته الحالية، فالمستهدف يعني مكسبًا حقيقيًا نحو 11%. وهذا سيناريو لا توقع. والجنيه نفسه يتحرك: ارتفع الدولار من 49.43 في 29 يونيو إلى 54.02 في 20 أكتوبر، أي 9.3%. بالسعر الأخير تساوي 15,000 جنيه نحو 278 دولارًا، و6,000 ريال نحو 1,600، أي نحو 5.8 أضعاف. المقارنة اسمية بين سوقين مختلفين.
تراجع معدل التضخم السنوي في مصر إلى 13.9 % خلال سبتمبر
الأداتان مختلفتان في من يتحمل الكلفة: السعودية تدفع من الخزينة الآن بدلًا ثابتًا وتنقل جزءًا من كلفة الأجور إلى الشركات لاحقًا عبر "نطاقات". ومصر تضع الكلفة على الموازنة وتؤجلها إلى 2030. والقيد المالي مختلف: تصنيف سعودي A+ واحتياطيات كبيرة، مقابل تصنيف مصري B مع نظرة مستقرة من "إس آند بي" وبرنامج مع صندوق النقد يتضمن إصلاحات دعم قد تشمل الوقود والكهرباء. ومجموعة المسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود ارتفعت 29.6% على أساس سنوي.
ما يجب أن يُعلن قبل يناير
قبل يناير تحتاج خمسة أسئلة إلى جواب: كلفة الحزمة وهل هي داخل الـ191 مليارًا، وقيمة دعم المرافق وأثر الرفع عليه، ومدة البدل، وتاريخ بدء "نطاقات"، وعدد السعوديين في القطاع الخاص تحت 5,000 و6,000. وبعد يناير تُراقب أربعة أرقام: أول فاتورة فعلية، ومبيعات التجزئة، والتضخم، وإفصاح المرافق عن الدعم. وأغلق المؤشر السعودي في يوم الإعلان عند 9,438.50 نقطة بخسارة 2.65%، ولا تكفي جلسة واحدة للحكم على رد الفعل.
البدل يبدأ في يناير، والفاتورة تبدأ في يناير، والرقم الذي يفسر العلاقة بينهما لم يُنشر بعد.

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .
الصفحة الكاملة وكل المقالاتما وراء الأرقام

بورصة مصرية والأموال الساخنة:«اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي»..فهل نفخنا؟

اللي سبق أكل النبق... السندات الزرقاء: 1.72 مليار دولار بالإمارات ومصر بلا إصدار

أرباح 8 بنوك سعودية تنمو 5.4% في الربع الثالث والراجحي يضيف ثلثي الزيادة

القرش الأبيض واليوم الأسود..لماذا لم تنهار العملات الخليجية رغم حرب إيران؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







