السعودية: عجز 22.5 مليار دولار بالربع الثالث وأعلى إيرادات غير نفطية منذ كورونا

ملخص
قراءة تحليلية لأداء الموانة السعودية خلال التسعة أشهر الأولى من عام 2026 ، وأظهرت البيانات ارتفاع حصة الإيرادات غير النفطية إلى 55% ، لكن عجز الأشهر التسعة بلغ 244.3 مليار ريال.
أظهر التقرير الربعي لأداء الميزانية السعودية في الأشهر التسعة الأولى من 2026 صورتين متعاكستين. الأولى إيرادات غير نفطية بلغت 412.5 مليار ريال بنمو 8%، وحصة وصلت في الربع الثالث إلى نحو 55% من إجمالي الإيرادات، وهي الأعلى منذ الربع الأخير من 2020. والثانية عجز تراكمي قدره 244.31 مليار ريال، تجاوز تقدير الموازنة الأصلية البالغ 165.4 ملياراً بنحو 78.9 مليار ريال، واقترب بالفعل من كامل التقدير السنوي المحدّث البالغ 245 ملياراً، وما زال أمام الميزانية ربع كامل.
وتفسر حسبة بسيطة هذه الفجوة: زادت الإيرادات الكلية نحو 23.8 مليار ريال، أو 3%، فيما زادت المصروفات نحو 86.4 ملياراً، أو 8%؛ أي نحو 3.6 ريالات من زيادة الإنفاق مقابل كل ريال إضافي في الإيرادات. وبين الصورتين سؤال مالي مباشر: هل تستطيع الإيرادات أن تلحق بإنفاق يتقدم بوتيرة أسرع، أم أن الاقتراض سيواصل سد الفجوة ورفع الالتزامات؟
تنويع حقيقي… لكنه لم يعوض النفط
سجلت الإيرادات غير النفطية في الربع الثالث 142.6 مليار ريال، مقابل 116.5 ملياراً للنفطية، ونمت 20% على أساس سنوي. وعلى امتداد الأشهر التسعة، بلغت حصتها نحو 48% من إجمالي الإيرادات البالغ 858.87 مليار ريال.
غير أن الحساب يضع هذا التقدم في حجمه. أضافت الإيرادات غير النفطية في الربع الثالث نحو 23.6 مليار ريال، بينما هبطت النفطية من نحو 150.8 مليار إلى 116.5 ملياراً، بانخفاض يقارب 34.3 ملياراً. أي إن النمو غير النفطي عوّض نحو 69% من تراجع النفط، فانخفضت الإيرادات الكلية 4% إلى 259.11 مليار ريال، وبلغ عجز الربع 84.31 ملياراً. وارتفعت الحصة بفعل نمو غير النفطية وتراجع النفطية معاً؛ فهي مؤشر على تغير التركيبة، وليست وحدها دليلاً على تحسن الرصيد المالي.
إيرادات أخرى بـ102 مليار ريال: ما مصادر نموها؟
جودة النمو غير النفطي تحتاج إلى فحص. قفزت «الإيرادات الأخرى» 22% إلى 102 مليار ريال خلال الأشهر التسعة، وأسهمت بنحو 18.4 مليار من زيادة الإيرادات غير النفطية البالغة 29.8 ملياراً، أي قرابة 62%. أما الضرائب على السلع والخدمات فارتفعت 4% إلى 229.3 مليار ريال، والضرائب على الدخل والأرباح والمكاسب الرأسمالية 6% إلى 28.6 ملياراً؛ وأسهم البندان معاً بنحو 35% من الزيادة غير النفطية، وفق الحسابات المبنية على القيم المعلنة.
بمعنى آخر، نمت حصيلة البندين الضريبيين بوتيرة أبطأ، بينما حمل بند «الإيرادات الأخرى» معظم الزيادة. ولا يتيح الجدول الإجمالي وحده تحديد مقدار ما جاء من عوائد استثمارية أو رسوم أو موارد استثنائية. وإذا كان بعض النمو غير متكرر، فإن تقدير استدامته يصبح ضرورياً قبل البناء عليه في توقعات السنوات المقبلة. والمطلوب هنا تفصيل مصادر الزيادة ومدى قابليتها للتكرار، لا افتراض أنها جميعاً مؤقتة أو دائمة.
أربعة بنود تحمل معظم زيادة الإنفاق
أربعة بنود تفسر نحو 77% من زيادة المصروفات البالغة 86.4 مليار ريال: الإنفاق الرأسمالي بنحو 20 ملياراً إلى 137.6 مليار ريال، واستخدام السلع والخدمات بنحو 17.6 ملياراً إلى 239.8 ملياراً، ونفقات التمويل بنحو 15.3 ملياراً إلى 54.8 ملياراً، والإعانات بنحو 13.7 ملياراً إلى 41.7 ملياراً. وسجل الإنفاق الرأسمالي أكبر زيادة منفردة بين الأربعة، بينما تجاوزته الزيادة المجمعة في الإعانات ونفقات التمويل، البالغة نحو 29 مليار ريال.
وقدمت وزارة المالية تفسيراً لبعض الزيادات في تقرير النصف الأول؛ من بينها تقديم دفعات لتعويض شركات الخدمات العامة، وشراء أدوية ومستلزمات صحية، ونفقات مرتبطة بتحول بعض التجمعات الصحية إلى شركة الصحة القابضة. ويبقى المطلوب بيان مدى استمرار هذه العوامل خلال الربع الثالث، والتمييز بين أثر توقيت الصرف والزيادة المستمرة في الالتزامات.
ولا تكفي هذه التركيبة وحدها للحكم على كفاءة الإنفاق. فالإنفاق الرأسمالي يمثل نحو 12.5% من المصروفات، ونفقات التمويل نحو 5%، لكن قياس العائد يحتاج إلى نتائج المشروعات وأغراض الإعانات. كذلك، استحوذت الصحة والتنمية الاجتماعية والقطاع العسكري والتعليم معاً على نحو 52% من الإنفاق الفعلي. وهذه أرقام توضح توزيع المصروفات، لا ما تحقق مقابلها من خدمات ونتائج.
العجز يقترب من كامل التقدير المحدّث
بلغ العجز نحو 126 مليار ريال في الربع الأول، ثم 34.3 ملياراً في الثاني، ثم 84.31 ملياراً في الثالث. أي إن الربع الأول وحده يمثل قرابة 52% من العجز التراكمي. وللإنصاف، انخفضت المصروفات في ربعين متتاليين، من نحو 387 مليار ريال إلى 373 ثم 343 ملياراً، لكنها بقيت أعلى من الإيرادات في كل ربع.
وتكشف المقارنة بالتقديرات مستويين مختلفين من الضغط. فالعودة إلى تقدير الموازنة الأصلية تتطلب حسابياً فائضاً يقارب 78.9 مليار ريال في الربع الرابع. لكن المقارنة الأحدث هي بالتقدير المعدّل، الذي رفع الإيرادات المتوقعة لعام 2026 إلى 1190 مليار ريال، والمصروفات إلى 1435 ملياراً، والعجز إلى 245 ملياراً.
وبذلك، لم يعد يفصل العجز المتحقق حتى سبتمبر عن التقدير المحدّث سوى نحو 690 مليون ريال. والبقاء قريباً من هذا التقدير يتطلب ربعاً أخيراً شبه متوازن. أما إذا سجل الربع الرابع عجزاً يعادل الأقل بين الأرباع الثلاثة، البالغ 34.3 مليار ريال، فسيرتفع العجز السنوي حسابياً إلى نحو 278.6 ملياراً. هذا سيناريو لقياس الحساسية، لا توقع لنتيجة العام.
الحرب: أثر قائم وحدود للقياس
لا يمكن فصل قراءة المالية العامة عن الاضطرابات الجيوسياسية، لكن تحديد أثرها يحتاج إلى تمييز الأسعار والكميات والتوقيت. فقد أشار تقرير النصف الأول إلى تأثر الإنتاج باضطراب الملاحة، مع ارتفاع الأسعار بما عوض جانباً من انخفاض الكميات خلال تلك الفترة. كما أشارت تغطيات لاحقة إلى تراجع إنتاج أرامكو وتعويض الأسعار جانباً من أثره.
وبلغت الإيرادات النفطية نحو 329.8 مليار ريال في النصف الأول، بمتوسط 164.9 ملياراً للربع، ثم انخفضت إلى 116.5 ملياراً في الثالث؛ أي أقل من المتوسط بنحو 29%. لكن تفسير إيرادات الميزانية يتطلب أيضاً مراعاة توقيت التحصيل ومكونات العائد، لا حركة الإنتاج والأسعار وحدهما.
وفي الإنفاق، لا تسمح التصنيفات الإجمالية بعزل تكلفة الحرب؛ فقد تظهر آثارها في الإعانات أو السلع والخدمات أو الأصول، وليس في القطاع العسكري وحده. وقد ربط التقرير نصف السنوي بالفعل بعض توقعات الإعانات بالخزن والأمن الغذائي ودعم الخدمات العامة في ظل التطورات الجيوسياسية. لذلك فالأثر محتمل وله شواهد، لكن قياس مساهمته في اتساع العجز يحتاج إلى تفصيل إضافي.
2027: تقليص العجز يعتمد أكثر على الإنفاق
توقعت الوزارة في البيان التمهيدي لميزانية 2027 عجزاً يقارب 191 مليار ريال، أو 3.6% من الناتج المحلي. والمقارنة الصحيحة هنا مع التقدير المحدّث لعام 2026 البالغ 245 ملياراً، لا مع نتيجة تسعة أشهر وحدها.
ويكشف الإطار الرسمي أن الإيرادات ترتفع من 1190 مليار ريال في 2026 إلى 1202 مليار في 2027، بينما تنخفض المصروفات من 1435 ملياراً إلى 1392 ملياراً. وبحسب الإجماليات المقربة، يأتي معظم التحسن المتوقع في الرصيد المالي من انخفاض المصروفات، لا من قفزة في الإيرادات.
هنا يصبح السؤال أكثر تحديداً: أي مسارات الإنفاق ستتباطأ، وما مقدار ما يعكس انتهاء دفعات استثنائية أو اختلاف توقيت الصرف، وكيف يُحافظ على البرامج الأعلى عائداً؟ فالتحدي ليس إعلان عجز أقل، بل توضيح المسار الذي يجعله قابلاً للتحقق.
دين يموّل العجز وفاتورته تكبر
غُطي العجز بالدين دون سحب من الاحتياطيات الحكومية. وبلغ الاقتراض 298.33 مليار ريال، منه 235.44 ملياراً داخلياً و62.89 ملياراً خارجياً، مقابل سداد أصل دين بنحو 43.73 ملياراً. فارتفع رصيد الدين إلى نحو 1.774 تريليون ريال، بزيادة صافية قدرها 254.6 مليار ريال، أو 16.8% خلال تسعة أشهر.
حافظ هذا التمويل على الاحتياطيات، لكنه زاد الالتزامات، بالتزامن مع ارتفاع نفقات التمويل إلى 54.8 مليار ريال، بما يعادل نحو 6.4% من الإيرادات. كما أن غلبة الاقتراض الداخلي تستدعي متابعة أوضاع السيولة والائتمان الخاص، دون افتراض مزاحمة مثبتة. ويبقى الفرق البالغ 10.29 مليارات ريال بين زيادة رصيد الدين وتمويل العجز محتاجاً إلى إيضاح يربط حركة الدين باستخدامات التمويل.
اختبار التنويع لا يُحسم بحصة الإيرادات غير النفطية وحدها، بل باستدامة نموها وقدرتها على تقليص فجوة التمويل مع الحفاظ على الإنفاق الأعلى عائداً. وحتى سبتمبر، تحسن تركيب الإيرادات، لكن العجز استهلك تقريباً كامل التقدير السنوي المحدّث. ومن هنا تأتي أهمية الربع الأخير: ليس لاستعادة رقم الموازنة الأصلية فحسب، بل لاختبار قدرة الحسابات الفعلية على البقاء قريباً من المسار المعدّل.

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .
الصفحة الكاملة وكل المقالاتما وراء الأرقام

أرامكو تربح 380.6 مليار ريال في 9 أشهر.. فلماذا لا يلاحق النقد سخاء التوزيعات؟

أرامكو وهيوماين: 2.6 مليار دولار في الذكاء الاصطناعي وسقف الالتزام غير معلن

هيئة السوق المالية تفتح باب مساءلة الإدارات الخاسرة.. لكن من يملك المفتاح؟

وزن 8% لمصر في مؤشر «جي بي مورغان»: ماذا تقول البيانات هل تدفقت دولارات جديدة؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







