قبل أن تضع خطة المشروع… اضبط العقلية التي ستدير بها المشروع

ملخص
قبل أن تدير الوقت والتكلفة والنطاق، هناك شيء يستحق إدارته أولاً: العقلية. لأن المشروع لا تديره الأدوات وحدها يديره الإنسان بافتراضاته وقناعاته قبل أي خطة.
استمع إلى المقال
عندما يبدأ مشروع جديد، يكون السؤال الأول غالبًا: ما النطاق؟ ما الجدول الزمني؟ ما الميزانية؟ ومن هم أصحاب المصلحة؟ ثم تبدأ الاجتماعات، وتُبنى خطة المشروع، وتُوزع المسؤوليات، ويشعر الجميع أن المشروع أصبح تحت السيطرة. لكن هناك عنصرًا يسبق كل ذلك، وربما يكون أكثر تأثيرًا من الخطة نفسها، وهو العقلية التي سيدار بها المشروع.
فالمشروع لا تتم إدارته بالأدوات وحدها. الأدوات لا تتخذ القرارات، والجداول الزمنية لا تحل المشكلات، وتقارير المخاطر لا تقرر متى يجب التصعيد أو التكيف أو التوقف. الإنسان هو الذي يفعل ذلك، والإنسان يتحرك دائمًا من مجموعة من الافتراضات والقناعات التي تشكل طريقته في رؤية المشروع قبل أن تشكل طريقته في إدارته.
لهذا يمكن لمديري مشروع أن يمتلكا المنهجية نفسها، والأدوات نفسها، والخبرة الفنية نفسها، ثم يحققا نتائج مختلفة تمامًا.
أحدهما ينظر إلى المشروع باعتباره خطة يجب حمايتها، والآخر ينظر إليه باعتباره نتيجة يجب تحقيقها. الأول يسأل باستمرار: كيف نحافظ على الـBaseline؟ والثاني يسأل: هل ما زال الـBaseline يخدم الهدف الذي وُضع من أجله؟ يبدو الفرق بسيطًا، لكنه في الواقع يمثل عقلية كاملة في إدارة المشروعات.
المشكلة أن كثيرًا من الممارسات التي نعتبرها احترافية قد تصبح خطرة عندما تتحول إلى عقيدة. فالالتزام بالخطة قيمة مهمة، لكن التمسك بخطة فقدت صلاحيتها ليس انضباطًا. وإدارة المخاطر ضرورة، لكن بناء المشروع بالكامل حول الخوف من الخطأ قد يقتل كل مساحة للمبادرة. والحوكمة مطلوبة، لكن إذا تحولت إلى عشر طبقات من الموافقات، فقد يصبح المشروع أكثر أمانًا على الورق وأقل قدرة على الحركة في الواقع.
هنا تظهر أهمية ما يمكن أن نسميه ضبط العقلية Mindset Setting قبل إدارة المشروع.
فكما نضع افتراضات المشروع في وثيقة، يجب أن نكشف افتراضاتنا نحن أيضًا. هل نعتقد أن مدير المشروع يجب أن يعرف الإجابة عن كل شيء؟ إذا كانت الإجابة نعم، فسيخفي مدير المشروع الغموض بدلًا من إدارته. هل نعتقد أن تغيير الخطة علامة على ضعف التخطيط؟ عندها سيقاوم الفريق التغيير حتى عندما يقدم الواقع أدلة واضحة على ضرورة التكيف. هل نعتقد أن التصعيد دليل على الفشل؟ غالبًا ستظل المشكلات تحت السطح حتى يصبح حلها أكثر تكلفة.
هذه ليست أفكارًا نظرية. إنها تتحول مباشرة إلى وقت وتكلفة وجودة ومخاطر.
أحد أكثر المواقف شيوعًا في المشروعات أن تبدأ مشكلة صغيرة في الظهور، لكن الفريق يتردد في الإعلان عنها لأن الثقافة الداخلية تعتبر الأخبار السيئة شيئًا يجب تجنبه. تمر أيام، ثم أسابيع، حتى تصبح المشكلة كبيرة بما يكفي ليراها الجميع. في هذه اللحظة يبدأ البحث عن المسؤول عن التأخير، بينما المشكلة الحقيقية بدأت قبل ذلك بكثير: العقلية التي جعلت الفريق يعتقد أن إخفاء المشكلة أكثر أمانًا من كشفها مبكرًا.
لهذا فإن ثقافة المشروع لا تتشكل فقط من الإجراءات المكتوبة، بل من الطريقة التي يتعامل بها القادة مع الواقع عندما لا يسير كما خُطط له.
مدير المشروع الذي يقول لفريقه: "أريد أن أعرف المشكلة وهي صغيرة، لا عندما تصبح كارثة"، يضع إعدادًا ذهنيًا مختلفًا تمامًا للمشروع. هو يرسل رسالة واضحة بأن الشفافية ليست تهديدًا، وأن ظهور المخاطر ليس فشلًا، وأن الهدف من إدارة المشروع ليس إثبات أن الخطة كانت صحيحة، بل زيادة احتمالية الوصول إلى النتيجة الصحيحة.
وهنا نصل إلى نقطة مهمة: إدارة المشروعات في جوهرها ليست إدارة اليقين، بل إدارة الحركة وسط قدر من عدم اليقين.
كل مشروع يبدأ بمجموعة من الافتراضات. نفترض أن موردًا معينًا سيكون متاحًا، وأن العميل سيعتمد القرار في موعد محدد، وأن التقنية ستعمل بالشكل المتوقع، وأن السوق لن يتغير بدرجة كبيرة، وأن الفريق يستطيع تنفيذ العمل بالمعدل الذي خططنا له. لكن المشروع الحقيقي يبدأ عندما تبدأ هذه الافتراضات في الاصطدام بالواقع.
وفي هذه اللحظة تحديدًا تظهر العقلية الحقيقية لمدير المشروع.
هل يدافع عن الافتراض القديم لأن تغييره سيجعل الخطة تبدو أقل دقة؟ أم يعترف بأن الواقع أصبح مصدر المعلومات الأهم؟ هل يعتبر الانحراف عن الخطة مشكلة يجب إخفاؤها، أم إشارة يجب فهمها؟ وهل يرى الـChange Request عبئًا إداريًا، أم أداة رسمية للاعتراف بأن المشروع يعمل في عالم متغير؟
العقلية الناضجة في إدارة المشروعات لا تعني تجاهل التخطيط، بل العكس. هي تعني أن نخطط بجدية، ثم نمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة الخطة بجدية أكبر عندما تتغير المعطيات.
وهناك بعد آخر أكثر عمقًا، يتعلق بالنية من إدارة المشروع نفسها. هل هدف مدير المشروع أن يبدو مسيطرًا؟ هل هدفه أن ينهي المشروع بأي شكل؟ هل يريد حماية صورته أمام الإدارة؟ أم أن نيته الحقيقية هي حفظ قيمة المشروع، وحقوق الأطراف، والموارد التي اؤتمن عليها، والوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة ضمن الواقع المتاح؟
النية هنا ليست مفهومًا بعيدًا عن الإدارة. هي التي تحدد أحيانًا الفرق بين قرار يحمي المشروع وقرار يحمي صاحبه.
فعندما يفشل أحد الأنشطة، قد يسأل مدير: "من المسؤول؟"، بينما يسأل آخر: "ما الذي يحتاجه المشروع الآن؟" السؤال الأول قد يكون مطلوبًا لاحقًا للمساءلة والتعلم، لكن إذا أصبح أول رد فعل، فقد تتحول إدارة المشروع إلى إدارة للاتهامات. أما السؤال الثاني فيعيد الجميع إلى الهدف.
وهذا هو جوهر ضبط العقلية قبل إدارة المشروع: أن نحدد الطريقة التي نريد أن نتصرف بها قبل أن تبدأ الضغوط في اختبارنا.
قبل إطلاق المشروع، لا يكفي أن نتفق على الأدوار والخطة. نحتاج أيضًا إلى اتفاق أعمق: كيف سنتعامل مع الأخبار السيئة؟ ماذا سنفعل عندما تتعارض البيانات مع توقعاتنا؟ كيف سنناقش الأخطاء؟ متى نتمسك بالخطة ومتى نعيد النظر فيها؟ هل هدفنا إكمال الأنشطة أم تحقيق القيمة؟
هذه الأسئلة قد لا تظهر في الـProject Charter، لكنها ستظهر في كل قرار مهم داخل المشروع.
في النهاية، يمكن أن تكون لديك خطة ممتازة وعقلية سيئة، فتدير المشروع في الاتجاه الخطأ بكفاءة شديدة. ويمكن أن تكون لديك خطة أولية غير مثالية، لكن عقلية صحيحة تجعلك تتعلم وتتكيف وتحسن قراراتك باستمرار.
ولهذا، قبل أن تبدأ في إدارة الوقت والتكلفة والنطاق والمخاطر، هناك شيء آخر يستحق أن تديره أولًا.
العقلية التي ستستخدمها في إدارة كل ذلك.
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.











