السعودية بين عجز يتسع في 2026 وإنفاق يتراجع في 2027.. هل تدخل رؤية 2030 اختبارها الأصعب؟

إبراهيم جمال إبراهيم
٩ أكتوبر ٢٠٢٦
٦ دقائق
السعودية بين عجز  يتسع في 2026 وإنفاق يتراجع في 2027.. هل تدخل رؤية 2030 اختبارها الأصعب؟

ملخص

اتساع عجز السعودية في 2026 وتراجع الإنفاق في 2027 يفتحان سؤالاً حاسماً: هل تنجح الرياض في تمويل رؤية 2030 مع الحفاظ على النمو والاستدامة المالية؟

استمع إلى المقال

0:00
0:38

 

"على قد لحافك مد رجليك". مثل مصري قديم يلخص واحدة من أبسط قواعد إدارة المال: أن تعرف حدود قدرتك قبل أن تقرر حجم إنفاقك، لكن الدول لا تدير ميزانياتها بهذه البساطة، خصوصاً عندما يكون الإنفاق جزءاً من مشروع اقتصادي بحجم رؤية 2030. هنا لا يصبح السؤال فقط: كم تنفق الدولة؟ بل: أين تنفق، وما العائد الذي تحصل عليه من كل ريال؟

 

كيف يتسع عجز الموازنة السعودية بنحو 80 مليار ريال عن التقدير الأصلي دون أن ترى موديز في ذلك خطراً ائتمانياً؟ التقدير الجديد لعجز 2026 هو 245 مليار ريال، أي 4.9% من الناتج المحلي، مقابل 165 مليار ريال في الميزانية الأصلية. وكانت موديز قد ثبّتت في مايو تصنيف المملكة عند Aa3 بنظرة مستقرة. تفسير ذلك يبدأ من مصدر الزيادة.

 

الزيادة جاءت من جانب المصروفات، فالميزانية الأصلية قدّرت الإنفاق عند 1.313 تريليون ريال. التقدير الحالي 1.435 تريليون، أي أعلى بنحو 122 مليار ريال أو 9%. وارتفعت الإيرادات نحو 4% إلى 1.190 تريليون ريال، فخفّفت جزءاً من الفجوة وبقي الفرق الذي يظهر في العجز.

 

والإيرادات صمدت رغم ظرف قاسٍ. فوزارة المالية السعودية تتوقع انكماش الأنشطة النفطية 21.8% هذا العام وانكماش الناتج الحقيقي 3.6%، بعد اضطراب الملاحة في مضيق هرمز. وترجّح موديز أن يعوّض ارتفاع الأسعار جزءاً من تراجع الكميات، إذ توقعت متوسط برنت بين 90 و110 دولارات في 2026، وأشارت إلى قدرة المملكة على توجيه جزء كبير من صادراتها عبر موانئ البحر الأحمر. وهذا يترك للسياسة المالية مساحة أكبر للتحرك مقارنة بسيناريو يكون فيه اتساع العجز ناتجاً أساساً عن انهيار الإيرادات، وإن كان جزء من الإنفاق الإضافي مرتبطاً بالتزامات لا يسهل خفضها سريعاً.

 

43 مليار ريال أقل: ماذا يوجد داخل الرقم؟، فتقدّر الوزارة إنفاق 2027 عند 1.392 تريليون ريال، أقل بنحو 43 مليار ريال من 2026، مقابل إيرادات 1.202 تريليون، فيهبط العجز إلى 191 مليار ريال أو 3.6% من الناتج.

 

لكن هذا لا يعني أن الحكومة أعلنت برنامج خفض إنفاق. البيان نفسه يتحدث عن مواصلة الإنفاق على الأولويات التنموية والمشروعات ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي، ويرسم مساراً يصل فيه الإنفاق إلى 1.544 تريليون ريال في 2029. ويرتفع العجز مجدداً إلى 192 مليار ريال في 2029، بعد 177 مليار في 2028. فنحن أمام انخفاض في الإنفاق المقدّر لسنة واحدة مقارنة بتقدير السنة التي قبلها.

 

وهنا يتحول السؤال من حجم الخفض إلى مكانه. الرقم وحده لا يكشف جودة السياسة المالية. خفض مصروف تشغيلي يختلف عن خفض استثمار، وتأجيل مشروع يختلف عن إلغائه، والتخلي عن مشروع بطيء العائد يختلف عن التضحية باستثمار يرفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد. وموازنة تمول تحولاً اقتصادياً بحجم رؤية 2030 لا ينبغي أن تُقرأ فقط من خلال ما تحذفه من إنفاق، بل أيضاً من خلال ما تبقيه من استثمارات قادرة على رفع الطاقة الإنتاجية للاقتصاد.

والسجل السابق يدعو للحذر. ميزانية 2025 قدّرت العجز بـ 101 مليار ريال، ثم ارتفع تقدير الوزارة له إلى 245 مليار ريال، أي 5.3% من الناتج. ورأى تحليل لمعهد دول الخليج العربية في واشنطن أن البيان لا يوضح كيف سيتحقق خفض الإنفاق، وأن خفضاً اسمياً كهذا نادراً ما يتحقق، ورجّح أن يتجاوز عجز 2027 نسبة 3.6%.

 

وحول فجوة النمو بين الحكومة وموديز، فتتوقع الحكومة نمواً حقيقياً بنسبة 12.8% في 2027، وتتوقع موديز 8.5%. الرقمان يبدآن من قاعدة منخفضة بعد انكماش 2026، ولذلك يحمل جزء كبير من الارتداد طابعاً حسابياً، فعودة الإنتاج النفطي وتحسن حركة الملاحة يمكن أن يرفعا الناتج بقوة.

 

الاختبار الفعلي في القطاع غير النفطي. تقدّر الوزارة نموه عند 3.2% في 2026، وبلغ 1.8% في النصف الأول، وارتفعت حصته من الناتج إلى 57.3% في تلك الفترة. وهذه النسبة لا تُقرأ بمعزل عن انكماش القطاع النفطي، فارتفاع الحصة يعكس جزئياً انكماش المقام وليس توسع الاقتصاد غير النفطي بالقدر ذاته. وتتوقع موديز أن يعود نمو القطاع الخاص غير الهيدروكربوني إلى نطاق 4% إلى 5% بعد انتهاء النزاع. التقديران لا يخصان الظرف نفسه، لكنهما يكشفان اختلافاً في تقدير قدرة هذا القطاع على قيادة التعافي.

 

والإيرادات غير النفطية ارتفعت من 166 مليار ريال في 2015 إلى 505 مليارات في 2025، وهو تحول مهم خلال عقد واحد. غير أن السؤال الذي لم يُحسم هو قدرتها على مواصلة الصعود حين يتباطأ الإنفاق الحكومي الذي ساهم في بنائها.

 

وهناك هوامش مالية تفسر لماذا لا يكفي اتساع العجز لتغيير النظرة، حيث تشير موديز إلى أن الأصول المالية الحكومية بلغت نحو 18% من الناتج بنهاية 2025، وأن الودائع المتاحة بسهولة لدى البنك المركزي تجاوزت 9% من الناتج. وتتوقع أن يرتفع الدين من نحو 32% من الناتج هذا العام إلى قرابة 40% بنهاية العقد. وهذه الهوامش، وهذه الهوامش، إلى جانب التصنيفات الائتمانية القوية لدى فيتش وستاندرد آند بورز، تفسر لماذا لا ترى الوكالة في اتساع العجز وحده سبباً كافياً لتغيير تقييم المملكة.

 

لكن الهوامش تشتري وقتاً ولا تمنح تفويضاً مفتوحاً. القدرة على الاقتراض شيء والحاجة إليه شيء آخر، والمعيار هو عائد كل ريال إضافي مقابل كلفة تمويله. وقالت الوزارة إن عجز 2027 سيموّل بالاقتراض وفق الاستراتيجية متوسطة المدى، وإن خطة الاقتراض التفصيلية ستُعلن قبل نهاية العام، والأهم من ذلك هو ما الذي يستحق المتابعة

 

أولاً، تفاصيل الميزانية الكاملة التي تصدر عادة في ديسمبر: توزيع الإنفاق بين الجاري والرأسمالي، وأي المشروعات ستتقدم وأيها سيتأجل. ولا يقتصر أثر هذه الأولويات على المالية السعودية، فالشركات العاملة في تنفيذ المشروعات، ومنها شركات مصرية، تحتاج هذه الإجابة قبل أي توسع في التزاماتها.

 

ثانياً، خطة الاقتراض: توزيعها بين الداخل والخارج، وحجم الصكوك فيها، وآجال السداد وكلفة التمويل.

 

ثالثاً، مسارات التصدير عبر البحر الأحمر. موديز تضع الخطر الجيوسياسي في صدارة المخاطر السلبية، وارتفاع الأسعار لا يفيد إذا تعطلت الشحنات أو ارتفعت كلفة النقل والتأمين.

 

رابعاً، نمو القطاع الخاص غير النفطي. إذا اقترب من نطاق 4% إلى 5% فقد يكون الاقتصاد أقدر على امتصاص تباطؤ الإنفاق الحكومي. أما إذا بقي قرب 2% فقد يتحول التباطؤ إلى عبء أكبر على النمو نفسه.

 

ستجيب ميزانية 2027 عن السؤال الأهم: هل تستطيع السعودية أن تنفق أقل وتنمو أكثر، بعد عام اتسع فيه العجز عن تقدير الموازنة بنحو 80 مليار ريال وتجاوز فيه الإنفاق تقديره الأصلي بنحو 122 مليار؟

شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

مقالات مقترحة

أحدث الأخبار

تابعنا على