الأفراد يشترون ما تبيعه المؤسسات.. من يسعّر المخاطر في البورصة المصرية؟

ملخص
اتسع هبوط الأسهم المصرية رغم ارتداد الخليج، فيما واصل الأفراد شراء ما تبيعه المؤسسات. لماذا اختلفت القاهرة؟ ومن يملك الكلمة الأثقل في جلسة الثلاثاء؟
استمع إلى المقال
في مقال يوم الأحد 13 سبتمبر، كان اختبار البورصة المصرية واضحاً حيث وضحت لماذا أعتبر أن هبوط EGX30 وحده لا يكفي للقول إن السوق كلها أعادت تسعير الخطر. كان المطلوب مراقبة ما إذا كان الضغط سيخرج من الأسهم القيادية إلى السوق الأوسع، وأن يظهر ذلك في عدد أكبر من الأسهم الهابطة وسيولة تؤكد الحركة. بعد جلستي الأحد والاثنين، حصلنا على الإجابة الأولى: نعم، البيع اتسع. لكن الإجابة الثانية كانت أكثر أهمية، لأن هوية من باع ومن اشترى لا تتفق تماماً مع الرواية المبسطة عن مستثمرين يهربون جماعياً من سوق تواجه مخاطر إقليمية مرتفعة.
أنهى EGX30 جلسة الاثنين 14 سبتمبر منخفضاً 1.56% عند 54,796.55 نقطة، بعدما خسر 1.09% يوم الأحد. الأهم أن EGX70 هبط 2.67% وEGX100 تراجع 2.30%، بعد ارتفاعهما في جلسة الخميس 10 سبتمبر. واتسع عدد الأسهم الهابطة من 110 الخميس إلى 161 الأحد ثم 184 الاثنين، مقابل 31 سهماً صاعداً فقط في الجلسة الأخيرة. كما ارتفعت قيمة تداول الأسهم الاثنين إلى نحو 13.2 مليار جنيه.
بهذا المعنى، تحقق ما كنا نراقبه صباح الأحد، فالضغط لم يعد محصوراً في مؤشر رئيسي يمكن أن تشوهه أوزان عدد محدود من الأسهم. السوق الأوسع دخلت عملية إعادة التسعير. لكن اتساع الهبوط لم يحسم سببه.
الأفراد في الجهة المقابلة
خلال جلسات 10 و13 و14 سبتمبر، سجل الأفراد المصريون صافي شراء تراكمي يقارب 1.38 مليار جنيه، وفق حسابات بيانات التعاملات المنشورة. في المقابل، سجلت المؤسسات المصرية صافي بيع بنحو 824 مليون جنيه، والمؤسسات العربية نحو 503 ملايين، وفي جلسة الاثنين وحدها اشترى الأفراد المصريون صافياً بنحو 425 مليون جنيه، بينما باعت المؤسسات المصرية قرابة 413 مليوناً والمؤسسات العربية نحو 80 مليوناً. أما المؤسسات الأجنبية فأنهت الجلسة مشترياً صافياً بنحو 103 ملايين جنيه.
لا تعني هذه الأرقام أن المستثمر الفرد أكثر ثقة أو أقدر على قراءة المخاطر. شراء الانخفاض قد يكون محاولة لخفض متوسط تكلفة المراكز، أو اختلافاً في الأفق الاستثماري، أو نشاطاً مضاربياً. بيانات صافي التعاملات لا تستطيع الفصل بين هذه الدوافع.
ما تستطيع إثباته أضيق، لكنه أكثر فائدة: الأفراد المصريون كانوا يقفون في الجانب المقابل لجزء كبير من العرض المؤسسي بينما تتسع خسائر السوق، وتضع الأرقام حداً أيضاً لتفسير آخر شائع. ما جرى في الأسهم لم يكن موجة خروج أجنبي واسعة. المؤسسات الأجنبية باعت يوم الخميس، ثم تحولت إلى الشراء الصافي يومي الأحد والاثنين، لينتهي صافي تعاملها في الجلسات الثلاث ببيع محدود يقارب 40 مليون جنيه فقط.
هذا الحكم يخص الأسهم تحديداً، ولا يصلح وحده لقياس موقف الأموال الأجنبية من كل الأصول المصرية. لكنه مهم لفهم ما ظهر على شاشة EGX: المؤسسات المحلية والعربية كانت أوضح في جانب البيع، بينما استمرت التجزئة المصرية في امتصاص جزء من العرض.
القاهرة ابتعدت عن الخليج
في جلسة الأحد، كانت الصلة الإقليمية أسهل في القراءة. هبط EGX30 بنسبة 1.09% بالتزامن مع خسارة TASI السعودي نحو 1.3%، وسط استمرار تداعيات توقف خط شرق–غرب السعودي وارتفاع المخاطر المحيطة بمسارات تصدير الطاقة، أما يوم الاثنين فقد كسر هذه الصورة، حيث ارتفع TASI بنحو 0.1%، وصعدت دبي 0.5% وأبوظبي 0.1%، بينما تسارع هبوط EGX30 إلى 1.56%. وتراجعت قطر بنحو 0.3%. أي أن العامل الجيوسياسي لم يختف، لكنه لم يعد كافياً وحده لتفسير لماذا واصلت القاهرة الهبوط عندما استعادت أسواق خليجية جانباً من توازنها.
أحد التفسيرات الاقتصادية أن النفط المرتفع لا يحمل الأثر نفسه لِمُصدّر للطاقة ومستوردها، حيث أن ارتفاع السعر يستطيع تعويض جزء من علاوة المخاطر في اقتصاد مصدر للنفط عبر الإيرادات، بينما تبقى مصر أكثر تعرضاً لقنوات التكلفة والاستيراد والتضخم.
وخلال ساعات تداول القاهرة يوم الاثنين، صعد خام برنت إلى نحو 108 دولارات للبرميل مع تجدد مخاوف الإمدادات. وبعد إغلاق البورصة المصرية، قلص جانباً كبيراً من مكاسبه لينهي اليوم عند 105.68 دولار، مرتفعاً بنحو 1%. هذا التفصيل الزمني مهم: ارتفاع النفط أثناء جلسة القاهرة كان جزءاً من البيئة التي تعامل معها السوق، أما سعر نهاية اليوم فهو إحدى المعلومات التي تدخل بها إلى جلسة الثلاثاء.
وتزداد الصورة تعقيداً مع تكلفة المال.
بعد إغلاق السوق المصرية، تجاوز عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات مستوى 5% للمرة الأولى منذ أكتوبر 2023. هذه القفزة لا تفسر هبوطاً كان قد حدث بالفعل في القاهرة، لكنها أصبحت جزءاً من الظروف الخارجية التي تستقبل بها البورصة جلسة الثلاثاء، وفي اليوم نفسه يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي اجتماعه الذي يستمر حتى الأربعاء 16 سبتمبر. ووفق استطلاع أجرته رويترز، توقع نحو 85% من الاقتصاديين المشاركين رفع الفائدة ربع نقطة مئوية، بينما كانت العقود الآجلة تسعر احتمالاً يقارب 90% للرفع.
بالنسبة لمصر، يجتمع هنا عاملان مختلفان: نفط فوق 100 دولار يزيد حساسية تكلفة الاستيراد والتضخم، وعائد دولاري مرتفع يجعل أدوات الدخل الثابت الأمريكية منافساً أقوى لرأس المال ويرفع تكلفة التمويل عالمياً. لا يمكن عزل أثر كل واحد منهما إحصائياً من ثلاث جلسات مصرية فقط، لكن اجتماعهما يقدم تفسيراً اقتصادياً أقوى لاستمرار ضعف القاهرة من اختزال الحركة كلها في عنوان الحرب.
حتى الممرات لا تقول شيئاً واحداً
قصة هرمز وشرق–غرب وباب المندب التي تابعناها الأحد لم تنته، لكنها أصبحت تحتاج قراءة أكثر انتقائية، فقبل جلسة الاثنين، أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز أن حركة سفن السلع عبر هرمز خلال عطلة نهاية الأسبوع بقيت أقل من متوسط الأيام العشرة السابقة. لكن باب المندب أعطى إشارة مختلفة: عبرت 24 سفينة سلع السبت و27 الأحد، مقارنة بمتوسط يقارب 27 سفينة يومياً خلال الأيام العشرة السابقة. ارتفاع الخطر الأمني لم يتحول، حتى ذلك الحين، إلى انهيار في حركة العبور.
وخلال جلسة الاثنين، أعلنت مايرسك وهاباغ-لويد إعادة أربع خدمات حاويات إضافية إلى طريق قناة السويس بدلاً من الدوران حول رأس الرجاء الصالح. القرار مشروط باستمرار الاستقرار الأمني، لكنه دليل مضاد مهم لأي قراءة تفترض أن الخطر المتزايد قرب باب المندب أدى بالفعل إلى انتكاسة جديدة في حركة القناة.
وهنا تظهر المسافة بين مقال الأحد والصورة التي تدخل بها السوق الثلاثاء. كنا نراقب هل تنتقل صدمة الطاقة والممرات من القياديات إلى السوق الأوسع، وقد انتقلت. لكن البيانات التالية منعتنا من الاكتفاء بمعادلة «تصعيد إقليمي يساوي هبوطاً مصرياً»: بعض أسواق الخليج استعادت توازنها، باب المندب لم يشهد انهياراً في حركة السفن، وخدمات حاويات إضافية عادت إلى قناة السويس، بينما استمر ضعف الأسهم المصرية واتسع البيع المؤسسي المحلي والعربي، لهذا لا يبدأ اختبار الثلاثاء من أول حركة لـEGX30.
إذا استمر بيع المؤسسات المصرية والعربية، وبقي EGX70 أضعف من القياديات وظل عدد الأسهم الهابطة واسعاً، فستكون الإشارة أن تخفيف المخاطر داخل المحافظ لم ينته بعد، حتى من دون خبر أمني جديد، أما إذا تراجع العرض المؤسسي وتحسن اتساع السوق، فسيصبح أي ارتداد أكثر دلالة من ارتفاع تصنعه بضعة أسهم ثقيلة. وفي الخلفية سيبدأ المستثمرون تسعير اجتماع الفيدرالي وهم يراقبون النفط والعوائد الأمريكية في الوقت نفسه.
يوم الأحد كان السؤال "هل ينتقل الضغط من المؤشر إلى السوق"؟ بعد جلستين نعرف أنه انتقل.
أما سؤال الثلاثاء فأصبح أصعب: إلى متى يستطيع الأفراد شراء ما تبيعه المؤسسات؟ وأي الطرفين سيجبر الآخر على إعادة تسعير المخاطر؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.










