تغطية اكتتاب "حالا" 43.6 مرة.. هل تستوعب البورصة المصرية طروحات حكومية تصل إلى 59 مليار جنيه؟

ملخص
تغطية اكتتاب إم إن تي حالا بنحو 43.6 مرة تكشف عن ندرة المعروض أكثر مما تثبت وفرة السيولة المستدامة في البورصة المصرية.
استمع إلى المقال
غطيت الطروحات الأولية في البورصة المصرية أكثر من عشرين عاماً، وتعلمت أن أفصل بين ثلاثة أمور: الطلب المسجل، والسيولة التي تقف وراءه، وقدرة السوق على استيعاب ما سيأتي بعده. وتغطية "إم إن تي حالا" البالغة 43.6 مرة تجيب عن الأول فقط. فقيمة أوامر الشراء عند سعر الطرح تبلغ 51.3 مليار جنيه، وهي قيمة اسمية لا مبلغ دُفع كاملاً، مقابل أسهم قيمتها 1.18 مليار. والمكتتب سيحصل على نحو 2.3 قرش من كل جنيه طلبه، إذا جرى التخصيص بالتناسب.
51.3 مليار جنيه طلبات والمتاح 1.18 مليار
سجلت أوامر الشراء المبدئية في الشريحة العامة 2.093 مليار سهم مقابل 48 مليوناً معروضة بسعر 24.5 جنيه. وتوقيت الطلب يلفت النظر. مساء الأربعاء، قبل يوم من الإغلاق، كانت التغطية 13.9 مرة بطلبات 669 مليون سهم. ثم بلغت 27 مرة في منتصف جلسة الخميس و36 مرة قبيل الختام، لتنتهي عند 43.6. أي أن نحو 1.42 مليار سهم، بقيمة 35 مليار جنيه تقريباً، دخلت في اليوم الأخير وحده.
هذه القفزة تفتح احتمال أن سلوك القطيع ضخّم الطلب إلى جانب القناعة بتقييم الشركة، لكن الأرقام وحدها لا تكشف دوافع المكتتبين، وقد يفسرها أيضاً تأخر التسجيل أو التحسب للتخصيص. وقاعدة التسجيل تسمح بالتضخيم، إذ تودع شركات السمسرة 25% على الأقل من قيمة كل طلب، فيمكن للمكتتب أن يطلب أربعة أضعاف سيولته. وهذا لا يجعل الطلبات وهمية، فمن يحصل على أكثر مما غطاه إيداعه يسدد الباقي. لكنه يعني أن مبالغ التسجيل لا تقل عن 12.8 مليار جنيه، يعود منها 11.6 مليار على الأقل بعد التخصيص.
الشريحة الخاصة أهدأ، والنشرة تحمل أسئلتها
غُطيت الشريحة الخاصة 11.2 مرة، وارتفعت إلى 19.4 مرة بعد استبعاد 121.2 مليون سهم اكتتب فيها مستثمرون استراتيجيون بتعاقد مسبق. والفارق مع 43.6 مرة في الشريحة العامة يطرح سؤالاً عن اختلاف دوافع الطلب بين الشريحتين، ولا يحسمه. والسعر يقل بنحو 5.5% عن القيمة العادلة التي حددها المستشار المالي المستقل "بي دي أو" عند 25.92 جنيه.
في المقابل، تكشف نشرة الطرح نحو 124.8 ألف دعوى ضد عملاء متعثرين بمطالبات 6.47 مليار جنيه. وتقول الشركة إن الرقم يمثل إجمالي قيمة عقود التمويل محل النزاع، لا الأرصدة المستحقة فعلاً، وإنه لا يتجاوز 3.5% من إصداراتها منذ بدء النشاط. ولا يمكن تقدير أثره في جودة المحفظة قبل نشر الرصيد المستحق. ويقابله توريق قائم بنحو 39.54 مليار جنيه. كما أن الطرح بيع كامل لأسهم يملكها المساهم الرئيسي، فحصيلته تذهب إلى البائع لا إلى الشركة.
سوق متراجعة وعمق محلي
جاء الاكتتاب بعد شهر قاسٍ. فبحسب التقرير الشهري للبورصة خسر رأس المال السوقي 5.39% في سبتمبر، أي 230.9 مليار جنيه، وهبط EGX30 بنسبة 5.42% إلى 51,894.83 نقطة بعد تسع جلسات هبوط متتالية. وبحسابي وقع 62% من الخسائر خارج مكونات EGX30، أي في الأسهم الأقرب إلى الأفراد، فأسهم المؤشر الرئيسي خسرت 87.5 مليار فقط.
ثم فقد السوق في أسبوع الاكتتاب الأخير نحو 204 مليارات جنيه في ثلاث جلسات، من 4.203 تريليون في ختام الخميس 8 أكتوبر إلى 3.999 تريليون الثلاثاء: 4.122 تريليون الأحد بعد خسارة 81 مليار، ثم 4.052 الاثنين، ثم 3.999. وارتد بعدها، وأغلق الخميس عند 4.051 تريليون بمكسب 25.6 مليار، وأقفل EGX30 عند 52,273.34 نقطة، أي قرب مستوى نهاية سبتمبر. وخسارة القيمة السوقية تعكس تغير الأسعار، ولا تساوي خروج سيولة بالقيمة نفسها.
هل سُحبت سيولة من السوق الثانوية لتمويل الطلبات؟ الهبوط وقع داخل فترة الاكتتاب، لكن التزامن لا يثبت سببية، فقد تكون الأموال جاءت من مدخرات خارج البورصة أو من مراكز نقدية جُهزت للطرح أو من بيع أسهم قائمة. وارتداد الجلستين الأخيرتين يضعف الفرضية. كما أن الـ11.6 مليار العائدة ليست بالضرورة سيولة جديدة، وقد تذهب إلى الأسهم القائمة أو تبقى نقداً أو تنتقل إلى اكتتاب بنك القاهرة.
وعمق السوق محلي. فالمصريون استحوذوا حتى نهاية سبتمبر على 88.3% من قيمة التداول منذ بداية العام، مقابل 7.6% للأجانب و4.2% للعرب، وبلغ صافي بيع الأجانب 11.2 مليار جنيه والعرب 10 مليارات. لكن الفريقين اشتريا صافياً في سبتمبر نفسه بنحو 3.57 مليار جنيه معاً، ما يعني أن المصريين كانوا الطرف المقابل في صافي التدفقات خلال الشهر.
بنك القاهرة و"مصر لتأمينات الحياة": حصص أكبر
يبيع بنك مصر في بنك القاهرة 4.575 مليار سهم تمثل 30%، باكتتاب متوقع أواخر أكتوبر وتداول في نوفمبر، بنطاق استرشادي بين 4.3 و4.82 جنيه تقول مصادر "الشرق بلومبرغ" إنه قد يجمع حتى 22 مليار جنيه. ونقلت الوكالة أن مصدراً مسؤولاً قال إن الحصة رُفعت إلى 45%، أي نحو 6.862 مليار سهم بحصيلة بين 29.5 و33.1 مليار جنيه، ولم يصدر بذلك إعلان رسمي. وفي "مصر لتأمينات الحياة" قدّر وزير الاستثمار محمد فريد حصيلة بيع 20% بين 14 و18 مليار جنيه، مع طرح قبل نهاية العام، بعد أن كان الموعد المعلن في أبريل نهاية يونيو.
بإضافة 7.84 مليار لـ"حالا"، يتراوح المعروض الجديد بين نحو 42 و59 مليار جنيه في قرابة عشرة أسابيع، وبين 51 و59 إذا ثبت رفع الحصة إلى 45%. وهذا يعادل 1% إلى 1.5% من القيمة السوقية، لكنه يساوي ستة إلى أكثر من ثمانية أضعاف قيمة تداول الأسهم في جلسة الخميس، وكانت 7.04 مليار جنيه. هذه المقارنة تكشف حجم التحدي ولا تقيس القدرة النهائية على الاستيعاب. فالحكم يتوقف على مصدر الأموال: مدخرات جديدة، أم إعادة توزيع للمحافظ القائمة، أم صناديق أجنبية ومستثمرون استراتيجيون. والبيانات الحالية لا تحسم ذلك.
والخصم يقول أكثر مما تقوله التغطية. فالنطاق الاسترشادي يقل عن القيمة العادلة المقدرة بـ5.3 جنيه، وهي تعادل تقييماً للبنك بنحو 80.8 مليار جنيه، بنسبة تتراوح بين 9% و19%، مقابل 5.5% في "حالا". هذا الخصم يضع شهية المستثمرين في قلب الاختبار، لكنه لا يكفي لتفسير دوافع البائع، فحجم الحصة وظروف السوق وطريقة التسعير تدخل فيه.
ما يستحق المراقبة
أولاً حصة الأفراد في بنك القاهرة، فقد كانت 15% من طرح "حالا". ثم قيد "حالا" في 20 أكتوبر، وهو الموعد الذي أعلنه رئيس الشركة. الطلب غير المُلبى يقارب 50 مليار جنيه، والقيمة العادلة تزيد على سعر الطرح 5.8% فقط، فإذا تجاوزها السهم بوضوح فهل نقرأ جاذبية أم ندرة؟ وأخيراً من يدعم الأسهم الجديدة بعد القيد، ومتى يبدأ صناع السوق عملهم.
التغطية 43.6 مرة تقيس شهية لحظة الاكتتاب. أما بنك القاهرة و"مصر لتأمينات الحياة" فسيقيسان من يبقى بعد أن تنتهي اللحظة.

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .
الصفحة الكاملة وكل المقالاتما وراء الأرقام

"تبادُل" تتسع على الورق.. فهل تتسع السيولة؟

صندوق النقد يضع السم في العسل: نفط بـ126 دولاراً والخليج ينكمش ومصر «خارج الحفرة »

بين الدولار والدرهم.. "أبوظبي الأول" و"الإمارات الإسلامي" يطرقان سوق الدين من بابين مختلفين

من تسوية 2004 إلى صفقة هايد بارك: ماذا جرى لأرض دريم لاند في 22 عامًا؟
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.







