من تسوية 2004 إلى صفقة هايد بارك: ماذا جرى لأرض دريم لاند في 22 عامًا؟

١٢ أكتوبر ٢٠٢٦
٦ دقائق
من تسوية 2004 إلى صفقة هايد بارك: ماذا جرى لأرض دريم لاند في 22 عامًا؟

ملخص

بعد 22 عامًا من تسوية 2004، تعود أرض دريم لاند إلى الواجهة بصفقة بيع 415 فدانًا من الشركة المصرية لإدارة الأصول العقارية والاستثمار، المملوكة للبنك الأهلي المصري وبنك مصر، إلى هايد بارك للتطوير العقاري، لم يُعلن سعر البيع أو طريقة اختيار المشتري أو الجهة التي قيّمت الأرض،لكن الحكم على كفاءة الصفقة اقتصاديًا يظل مرهونًا بالسعر، وشروط البيع، ومصير المساحة المتبقية.

استمع إلى المقال

0:00
0:59

مرت اثنان وعشرون عامًا بين تسوية 2004 التي أشرف عليها البنك المركزي وصفقة اليوم، والأرض التي بدأ بها كل شيء ما زالت أرضًا. تغيّر مالكها، وتغيّر وضعها القانوني، ورحل صاحبها الأول. وما زال السؤال الأهم بلا إجابة معلنة: بكم بيعت؟

اليوم، 12 أكتوبر 2026، وقعت هايد بارك للتطوير العقاري عقد شراء 415 فدانًا من الشركة المصرية لإدارة الأصول العقارية والاستثمار، المملوكة للبنك الأهلي المصري وبنك مصر. جرى التوقيع بحضور الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء، ووقّعه أمين سراج، العضو المنتدب لشركة هايد بارك، وكرم صلاح، رئيس مجلس إدارة الشركة المصرية لإدارة الأصول العقارية والاستثمار.

الدكتور مصطفى مدبولي يشهد توقيع عقود شراء هايد بارك
الدكتور مصطفى مدبولي يشهد توقيع عقود شراء هايد بارك

أكتب وأنا ممن تابعوا هذا الملف منذ بدايته. تابعت تفاصيله الدقيقة داخل المكاتب المُغلقة بالبنكين، وفي النيابة العامة، ثم في التحكيم الدولي، ثم على طاولة التسوية. وفي كل مرة كان يبدو أن الفصل الأخير وصل، ثم يظهر فصل جديد. لذلك أقرأ خبر اليوم بحذر من صحفي تابع الملف طويلًا، فالنهاية التي تُعلن في مؤتمر صحفي تحتاج دائمًا إلى مراجعة تفاصيلها.

في 2004 وُقّعت تسوية بين الدكتور أحمد بهجت مالك مجموعة بهجت وبنكي الأهلي ومصر تحت إشراف البنك المركزي برئاسة الدكتور فاروق العقدة. توزعت المديونية على البنك الأهلي بنسبة 83% وبنك مصر بنسبة 17%. لم تصمد التسوية، وانتقل النزاع إلى القضاء والتحكيم. وقال البنكان في 2017 إن بهجت وأبناءه رفعوا دعاوى في الولايات المتحدة ضد الدولة المصرية والبنك الأهلي طالبوا فيها بأكثر من خمسة مليارات دولار، وإن المحاكم الأمريكية رفضتها.

في 21 مايو 2021 توفي الدكتور أحمد بهجت عن 70 عامًا أثناء رحلة علاج في الولايات المتحدة. وفي 11 أكتوبر 2021، أي بعد أقل من خمسة أشهر، وُقّعت التسوية النهائية التي أنهت منازعات استمرت أكثر من عشر سنوات، وسلّمت نحو 4 ملايين متر مربع من الأراضي للشركة المصرية لإدارة الأصول العقارية والاستثمار، تنفيذًا لأحكام تحكيمية وقضائية لصالح البنكين. فالدكتور أحمد بهجت لم يشهد التسوية النهائية، ولا صفقة اليوم التي جاءت بعدها بخمس سنوات.

بيان التسوية 2021 تحدث عن 4 ملايين متر مربع، وهي تعادل قرابة 952 فدانًا بحساب الفدان 4200 متر. وقال محمد الإتربي، الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي، اليوم إن الشركة تمتلك 818 فدانًا، باعت منها 415 لشركة هايد بارك. المساحة المبيعة تبلغ بذلك نحو 51% من الأرض التي تملكها الشركة حاليًا، وتبقى نحو 403 فدانات.

هذه نسبة مساحة وليست نسبة قيمة، فالأرض تختلف في الموقع والاستخدام والتراخيص ووصول المرافق، وقطعتان متساويتان في المساحة قد تختلفان كثيرًا في الثمن.

ويبقى الفرق بين 952 و818 فدانًا بحاجة إلى تفسير. لا تقول البيانات المتاحة إن الرقمين يصفان النطاق نفسه من الأراضي، ولا ما الذي يفسر الاختلاف. قد يكون السبب تصرفًا سابقًا في جزء من الأرض، وقد يكون اختلافًا في تعريف المساحة المحسوبة. لا أملك دليلًا على أي من التفسيرين، وهذا بالضبط سبب طرح السؤال.

السؤال الجوهري هو لماذا باع البنكان الآن؟ فحين يتحول دين إلى أرض يصبح البنك مالك عقار وهو لا يعمل في العقار. الأرض الفضاء تحتاج إلى حراسة وتراخيص ومرافق وقرار تسويق، وهذه أعمال مطورين. والاحتفاظ بها له تكلفة فرصة بديلة، لأن قيمتها محبوسة في أصل لا يدر دخلًا.

أما وضع الملكية فالأرجح أنه لعب دورًا في توقيت البيع. فالتسوية النهائية وتنفيذ الأحكام أزالا جانبًا كبيرًا من مخاطر النزاع التي كانت تعوق التصرف في الأرض، وإن كان ذلك لا يعني انتفاء كل المخاطر القانونية والتنظيمية.

وبين التسوية والصفقة نحو خمس سنوات. لا نعرف ما جرى فيها من محاولات بيع أو عروض أو دراسة بدائل، ولا نعرف إن كانت هناك عروض سابقة بشروط مختلفة. وتقييم كفاءة هذه الفترة يحتاج إلى هذه المعلومات.

السؤال الأغرب كان في نطاق الحديث عن السعر وشروط البيع، فلم يُعلن سعر بيع الـ415 فدانًا. أما العشرة مليارات جنيه فهي عقد تمويل وقّعه بنك مصر مع شركة فاوندرز التابعة لهايد بارك، لشراء وتسويق وحدات لمتوسطي الدخل تتبع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة. وقد أُعلن العقدان في اليوم نفسه، لكن المعلن حتى الآن لا يثبت أن التمويل مرتبط تعاقديًا بشراء الأرض، ولا يجوز اعتباره ثمنًا لها.

والبنك الأهلي يملك 83% من الشركة البائعة، ويملك في الوقت نفسه 24% من هايد بارك المشترية، بحسب ما أعلنه الإتربي. هذا لا يثبت تضاربًا في المصالح، ولا خللًا في التسعير. لكنه يجعل الأسئلة التالية مشروعة، وتحتاج إلى إجابات معلنة:

هل بيعت الأرض عبر مزايدة تنافسية أم بتفاوض مباشر مع مشترٍ واحد؟ هل قيّمتها جهة مستقلة، ومن هي؟ ما سعر الفدان، وما شروط السداد؟ هذه أموال بنكين مملوكين للدولة.

لا يكتمل الحديث عن دريم لاند دون صاحبها. أحمد بهجت خريج هندسة القاهرة، حصل على الدكتوراه من معهد جورجيا للتكنولوجيا عام 1982، واخترع في أمريكا بوصلة إلكترونية لمواقيت الصلاة، ثم عاد إلى مصر في منتصف الثمانينيات بعد لقاء مع الرئيس الأسبق حسني مبارك. أسس مصانع جولدي للأجهزة الكهربائية، وقناة دريم، وأقام دريم لاند في مدينة 6 أكتوبر. وصفته الصحافة وقت وفاته بصاحب أول قناة خاصة في مصر، وأول تجمع سكني في أكتوبر، وأكبر مدينة ملاهٍ في الشرق الأوسط.

الدكتور أحمد بهجت
الدكتور أحمد بهجتصورة أرشيفية

كان يحمل الجنسية الأمريكية وتوفي في أمريكا، لكنه أوصى بأن يُدفن في مصر. من عرفه لا يستغرب ذلك.

اليوم.. نجح البنكان في إنهاء نزاع بدأ قبل عقدين ونصف، وفي تحويل جزء من الأرض إلى مشروع. هذا إنجاز حقيقي. لكن الحكم على الصفقة نفسها معلق على ثلاثة أشياء لم تُعلن: السعر، وطريقة البيع، ومصير الـ403 فدانات المتبقية.

حين تُنشر هذه الأرقام سنعرف إن كانت البنوك استعادت من الأرض قيمتها العادلة. وإلى أن يحدث ذلك، الأمر الوحيد المؤكد أن النزاع القانوني انتهى. أما الحساب المالي فلم يُغلق بعد.

عن الكاتب
إبراهيم جمال
مدير تحرير

إبراهيم جمال إبراهيم، كاتب صحفي مصري وخبير في الإعلام الرقمي والصحافة الاقتصادية والمالية، يتمتع بخبرة تزيد على 20 عامًا في أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. متخصص في قيادة فرق التحرير، وتطوير استراتيجيات المحتوى والنمو الرقمي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار، مع خبرة واسعة في تغطية الأسواق المالية والسياسات النقدية والقطاع المصرفي. شغل مناصب تحريرية في «أرقام»و«فيتو»و«بصراحة» و«المال» و«مباشر» .

الصفحة الكاملة وكل المقالات
شارك المقال
الكلمات الدالة

لنشـرة الأسبوعيـة

اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.

مقالات مقترحة

تابعنا على