أخضر في النظام أحمر على أرض الواقع

ملخص
تتأخر تحديثات المشاريع بسبب ضغط العمل وتفاوت الخبرات، بينما يساعد التحديث الصادق والإعلان المبكر عن التعثر في اتخاذ القرارات الصحيحة وإنقاذ المشروع.
استمع إلى المقال
لماذا يتحول تحديث المشاريع إلى مهمة تنجز ليلة اجتماع اللجنة؟
في كثير من الجهات التي عملت معها، لم تكن المشكلة الأكبر غياب نظام لإدارة المشاريع، ولا غياب المنهجية أو المعايير, المشكلة الأكثر تكراراً كانت أبسط من ذلك وأخطر و هي تحديث البيانات في النظام، وكتابة هذه التحديثات بشكل يعكس الواقع و صحيح.
المشهد مألوف لكل من عمل في مكتب إدارة مشاريع, يقترب موعد اجتماع اللجنة التوجيهية، فتبدأ رسائل التذكير, يفتح مدير المشروع النظام ليحدث نسب إنجاز بقيت ثابتة لأسابيع، ويكتب جملاً عامة عن "العمل الجاري" دون وضوح للمهام و التحديات ثم يدخل الاجتماع والمشروع أخضر، ثم تظهر المفاجأة بعد أسابيع.
المشروع لم يتعثر فجأة, كان متعثراً على أرض الواقع، وأخضر في النظام فقط.
لماذا يتأخر التحديث؟
السبب الأول هو الفرق نفسها, خبرات أعضاء الفريق متفاوتة، ونقل المعرفة والتجربة بينهم صعب.
ومع دوران الموظفين وتغير الأشخاص كل فترة، لا تعيش الممارسة الجيدة طويلا, كل شخص جديد يبدأ من الصفر، فيصعب على الجهة أن تحافظ على ممارسة واضحة ومستقرة لفترة طويلة و ذلك لتفاوت الخبرات و أيضا الخبرة العملية حسب المجال.
السبب الثاني هو ضغط العمل, حين يزيد حجم المشاريع وعبئها، يصبح التحديث آخر الأولويات.
لا يستطيع مدير المشروع وفريقه بتحديث البيانات أولاً بأول، فيؤجلونه إلى ما قبل الاجتماع، وغالباً إلى اللحظة الأخيرة لضمان انها ستجمع كافة التفاصيل, مع العلم ان الكثير في تلك الحالة من دروس مستفادة او تحديات تم علاجها في اغلب الاحيان لا يتم ذكرها في التحديث.
أما السبب الثالث فنادراً ما يقال بوضوح و هو قول مدير المشروع "لقد وصلت لأقصي حد من الضغط في العمل" او في المشروع و قد يكون اكثر من مشروع في وقت واحد, الكثير من مديري المشاريع يديرون أكثر من ملف ضخم في الوقت نفسه، ولا يصلون إلى مرحلة الاعتراف بأنهم بلغوا أقصى طاقتهم, لا يقولون: أنا متعثر، لا أستطيع تحديث التقارير، لا أجد وقتاً لتطوير نفسي, وحين لا يقال ذلك، تتحول الطاقة المستنزفة إلى تحديثات متأخرة وبيانات ناقصة.
ما الذي يضيع في الطريق؟
حين يختصر التحديث في "نسبة الإنجاز"، نركز على الرقم وننسى ما تفسره "المخاطر والتحديات الحقيقية", التحديات الحالية التي تعطل العمل اليوم او المستقبلى، والمخاطر المستقبلية التي قد تضرب الجدول بعد شهر إن لم يتم التحرك اليوم و الأخذ في الإعتبار الية المعالجة و تقليل الاثر علي سير المشروع، وحتى التحديات السابقة التي تشرح لماذا وصل المشروع إلى ما هو عليه.
التحديث الذي لا يحمل هذه المعلومات يعطي صورة ناقصة، حتى لو كانت أرقامه صحيحة, والإدارة العليا لا تتخذ قراراتها بناء على نسبة مئوية، بل بناء على فهم ما يحدث وما قد يحدث.
من تجربتي "إن المشروع سيصبح أحمر"
في أغلب الأنظمة، حالة المشروع ثلاثة ألوان, الأخضر يعني أنه على المسار، ضمن هامش انحراف مقبول يتراوح بين 3% و5% بحسب الجهة, البرتقالي يعني أنه خرج عن المسار وهناك بعض التحديات و تحتاج الي الية إعادة للحالة المقبولة, والأحمر يعني متعثر يحتاج تدخلاً و إعادة النظر في التحديات و المشاكل الموجوده و التدخل فورا.
استلمت مشروعاً وهو برتقالي، وأبلغت الجميع بوضعه كما هو, بعد الاستلام بدأ يتجه إلى الأحمر، فلم أنتظر أن يفاجئ أحداً في اجتماع اللجنة.
قلتها بوضوح: المشروع سيصبح أحمر، لكنه سيعود إلى البرتقالي ثم إلى الأخضر، وهذه هي خطة العمل لإعادته.
كانت الخطة تعني ضغطاً حقيقياً على الإطار الزمني, و العمل في اكثر من مسار في ان واحد, شغلنا أكثر من نشاط بالتوازي، وهو قرار له مخاطره ويحتاج متابعة لصيقة, لكنه سرع عودة المشروع إلى المسار، دون طلب تغيير ودون تعديل خط الأساس.
الدرس الذي خرجت به: الأحمر المعلن مبكراً ليس فشلا، بل يمنح نظرة على الية المعالجة, الفشل الحقيقي هو الأحمر المخفي, لانه سيظهر في وقت ما مهما قام الشخص بإخفاء الحالة, الصدق في التحديث لم يضعفني أمام الإدارة، بل أعطاني المساحة والدعم لأصلح المسار.
لمن تكتب التحديث؟
التحديث رسالة، والرسالة لا قيمة لها إن وصلت إلى الشخص الخطأ, على مدير المشروع أن يسأل نفسه قبل كل تحديث, من سيتم التواصل معه هل هو قادر فعلاً على تنفيذ الإجراء المطلوب حسب حاجة المشروع؟ هل يملك الصلاحية والالية لمساعدتي؟
كثير من مديري المشاريع يعلقون أسابيع مع أشخاص لا يملكون الصلاحية ولا القدرة على المعالجة, ينتظرون ردا لن يأتي، والمشروع يدفع الثمن.
هنا يأتي دور التصعيد, التصعيد ليس شكوى ولا اتهاما لأحد، بل أداة إدارية مشروعة, وفي أحيان كثيرة يحتاجه المشروع ليستعيد إيقاعه، ويتحسن أداؤه، وتعود مؤشراته إلى المسار الصحي و الصحيح, المهم أن يتم في الوقت الصحيح، وإلى المستوى الصحيح، وبمعلومات صحيحة.
ماذا نفعل؟
لأن المشكلة تتكرر في كل جهة تقريباً، لا يكفي أن نطالب الفرق بـ"التحديث" نحتاج آلية واضحة، مشروحة بالأمثلة، تجيب عن أربعة أسئلة: ماذا نكتب، وأين نوثقه، ومتى نحدثه، ولمن يصل.
الأمثلة هنا أهم من الشرح انظر الفرق بين تحديثين لنفس الحالة:
تحديث شكلي: تم العمل على المرحلة الثانية، ونسبة الإنجاز الحالية 60%
تحديث يعكس الواقع: نسبة الإنجاز 60% مقابل 70% مخطط, سبب التأخر في اعتماد المتطلبات من الإدارة المستفيدة, الأثر المتوقع أسبوعان على موعد التسليم إن لم يعتمد قبل نهاية الشهر, بتاريخ 31 أكتوبر ....
المطلوب: تدخل مدير الإدارة لاعتماد المتطلبات, او التصعيد حسب الحوكمة المعتمدة بأقصي حد تاريخ 31 اكتوبر ...
الأول يملأ خانة في النظام, الثاني يعطي صاحب القرار ما يحتاجه ليتحرك.
وحين تتغير الفرق، تبقى الآلية والأمثلة, فلا تبدأ الجهة من الصفر مع كل موظف جديد.
خلاصة الموضوع
التحديث ليس تعبئة نظام قبل اجتماع, إنه رسالة صادقة، تصل إلى من يملك القرار، في الوقت الذي ما زال فيه قادرا على التصرف.
المشروع الذي يظهر أحمر مبكراً يمكن إنقاذه, أما المشروع الذي يبقى أخضر في النظام حتى اللحظة الأخيرة، فغالباً ما يبقي في النظام لسنوات ولا يوجد له الية ولا قدرة للإعتراف انه لن ينجح او يكتمل حسب المتطلبات.
لنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.


.png?alt=media&token=b4fed28e-a0c2-48df-97f5-62d7329c304a)









