البحرين: السيادة في ظل الأسطول الخامس

ملخص
أصغر دولة في هذه السلسلة تطرح أصعب الأسئلة: لا يمكنك أن تبني كل شيء، فما الذي يجب أن تملكه بالكامل؟
البحرين هي أصغر دول هذه السلسلة وأكثرها انكشافاً. وهي أيضاً المثال الأوضح على الدرس الذي يتكرر في كل دولة منها: السيادة ليست قائمة بكل ما تستطيع صناعته. هي قائمة بالأشياء القليلة التي لا تستطيع تحمل شراءها من الخارج.
القاعدة التي لا يمكن تجاهلها
البحرين هي الدولة المضيفة للأسطول الأمريكي الخامس، الذي يقع مقره في منشأة الدعم البحري في البحرين، بحي الجفير في المنامة. والمنشأة نفسها متضررة وخارج الخدمة حتى 31 أكتوبر 2026. فقد ضربتها إيران في 28 فبراير 2026، في الأيام الأولى من الحرب. وفي 31 أغسطس، قال رئيس العمليات البحرية الأمريكية الأدميرال داريل كودل للبحارة الذين نُقلوا من القاعدة إن البحرية لن تعود إليها "في وقت قريب" (Navy Times، 1 سبتمبر 2026). وبعد أحد عشر يوماً، قال وزير البحرية بالوكالة هونغ كاو إن إيران "دمرت القاعدة بالكامل" (New York Post، 11 سبتمبر 2026).
وتحدثت تقارير أواخر أكتوبر عن أضرار تتجاوز ما أعلنته الجهات الرسمية. ولم نتمكن من التحقق بشكل مستقل من حجم الضرر الفعلي خارج ما تم الاعتراف به رسمياً، والموقف الصادق في زمن حرب لا تزال قائمة هو الإقرار بذلك بدلاً من التخمين.
وتمثل هذه القاعدة أثقل حقيقة في الحسابات الأمنية للبحرين، وهي المثال الأوضح على "مفارقة الحماية" التي تناولتها هذه السلسلة سابقاً. فلعقود، كان وجود الأسطول الخامس يُقرأ باعتباره رادعاً ضخماً. لكن هذه الحرب عقّدت تلك القراءة. فقد ضربت إيران البحرين مبكراً، وخرجت المنشأة من الخدمة، ولم تمنع المظلة الأمنية الدولة من الدخول في الصراع. فالقاعدة التابعة لقوة عظمى لا تتوقف عن كونها جزءاً من منظومة تلك القوة لمجرد أنها تقع على أرضك. ففي زمن السلم، تتمتع البحرين بحماية مظلة أمنية أكبر بكثير مما تستطيع تمويله بمفردها. وفي زمن الحرب، تجد نفسها داخل قائمة أهداف لم تختر أن تكون جزءاً منها أصلاً.
وهذا لا يعني أن على الدولة الصغيرة أن ترفض هذا الترتيب. بل يعني أن عليها أن تفهم بدقة ما تملكه فعلاً وما تستأجره فقط.
ما لا تستطيع الدولة الصغيرة فعله
لا تستطيع البحرين واقعياً أن تبني منظومة صناعية دفاعية حديثة من الصفر. فهي تفتقر إلى عدد السكان والمساحة ورأس المال اللازم لتصنيع الطائرات والصواريخ والرقائق الإلكترونية بنفسها. والتظاهر بغير ذلك سيكون مكلفاً وعديم الجدوى.
لذلك لا بد من إعادة تعريف مفهوم السيادة. فالسؤال الصحيح ليس ما الذي تستطيع الدولة صناعته، بل ما الذي يجب ألا تسمح لأي طرف آخر بإيقافه عنها أبداً.
الحد الأدنى السيادي
لكل دولة حد أدنى لا يمكن أن يتجاوزه الاعتماد على الخارج دون أن يصبح غير مقبول. وبالنسبة للبحرين، فهذا الحد الأدنى قصير ومحدد بدقة:
الدفاع السيبراني، لأن أول هجوم على أي دولة متصلة رقمياً يكون غالباً هجوماً إلكترونياً.
الحوسبة الحكومية الآمنة، لأن قرارات الدولة لا يجب أن تعمل بإذن مستأجر من طرف آخر.
القيادة والسيطرة، لأن الأوامر والإنذارات يجب أن تصمد حتى لو انهارت أي شبكة واحدة.
البيانات، لأن السيادة على القرار تستلزم السيادة على المعلومات التي يُبنى عليها.
الاتصالات، لأن الدولة التي لا تستطيع التواصل مع نفسها لا تستطيع التصرف.
البنية التحتية الموزعة والتصنيع السريع، لأن القدرة على الاستمرار بعد الصدمة أهم من القدرة على عرض واجهة لامعة.
وقد أعطت الحرب البحرين بالفعل لمحة عما يحميه هذا الحد الأدنى. فالضربات الإيرانية طالت العاصمة وألحقت أضراراً بالبنية التحتية. وقُتل مدنيون وأُصيب العشرات (رويترز، 2 مارس 2026؛ الجزيرة، 10 مارس 2026). فهذا الحد الأدنى ليس مفهوماً نظرياً.
ولا يعني أي من ذلك أن على البحرين بناء صناعة لأشباه الموصلات. بل يعني أن عليها أن تحدد تلك الحفنة من الأنظمة التي لن تتخلى عنها لأي طرف خارجي أبداً، وأن تشتري كل ما عدا ذلك من السوق المفتوحة دون أي تردد.
الحوسبة والحد الأدنى الجديد
والذكاء الاصطناعي هو السبب في أن تكلفة هذا الحد الأدنى تواصل الارتفاع: فالأنظمة القليلة التي يجب أن تبقى سيادية باتت حوسبية بشكل متزايد، وامتلاك الحوسبة أكثر كلفة من استئجارها. وباتت القيادة والمراقبة واللوجستيات والدفاع السيبراني الحديثة تعتمد بشكل متزايد على الحوسبة. وهذا ما يجعل الحوسبة جزءاً من الحد الأدنى السيادي، لا مجرد عملية شراء لحزمة تقنية.
وقد خاضت البحرين هذه التجربة بالفعل. فقد ألحقت ضربات بطائرات مسيّرة أضراراً بمركز بيانات شركة أمازون في البلاد. وفي سبتمبر، أي بعد ستة أشهر من الضربات، أعلنت الشركة أنها لم تتمكن من استعادة الوصول إلى الموارد والبيانات المستضافة حصرياً في تلك المنطقة (CNBC، 15 سبتمبر 2026). ولم تتوقف المنطقة عن العمل بسبب انتهاء عقد، بل لأنها تضررت فعلياً، ولم يستطع المزود إعادتها للعمل. وهذا بالضبط شكل "السيادة المستأجرة" عندما تصل الحرب: فالدولة التي لا تستطيع تشغيل نماذجها الخاصة على بنية تحتية تتحكم بها، تكون قد سلّمت جزءاً من قرارها لمزود خارجي، وصار قرار استعادة هذه القدرة بيد طرف آخر لا بيدها.
ولا تحتاج البحرين لتصنيع الرقائق الإلكترونية للرد على هذا التحدي. بل تحتاج إلى امتلاك الطبقة التي تُحسب فيها قراراتها، وأن تبقي هذه الطبقة مستقلة عن أي مزود أجنبي واحد. فهذا الحد الأدنى رفيع، لكنه يجب أن يكون صلباً في الوقت نفسه.
اقتصاديات الانتقائية
هذا هو المنطق الاقتصادي للدولة الصغيرة، وهو منطق سليم.
فالدولة الكبيرة والغنية تستطيع تحمل تكرار القدرات في كل طبقات المنظومة. أما الدولة الصغيرة فلا تستطيع ذلك، ولا ينبغي لها أن تحاول. ما تستطيع تحمله هو الدقة: أن تركز إنفاقها السيادي على تلك الطبقة الرفيعة التي لا يجوز أن تفشل أبداً، وأن تترك الباقي للسوق. فالهدف ليس الاكتفاء الذاتي الكامل. الهدف هو حد أدنى لا تستطيع أي يد أجنبية أن تسحبه من تحت الدولة.
وبالنسبة للبحرين، السيادة ليست هدفاً إنتاجياً. هي قائمة أولويات، تُبقى قصيرة عمداً، وتُدافع عنها الدولة من دون عاطفة.
الخلاصة
لن تبني البحرين ترسانة سلاح، ولا تحتاج لذلك أصلاً. ففي ظل الأسطول الخامس، مهمتها أدق من ذلك: أن تعرف بدقة أي الأنظمة لا يمكن أن تسمح لأي طرف آخر بإيقافها أبداً، وأن تملك هذه الأنظمة بالكامل بينما تشتري كل ما عداها بحرية تامة من السوق.
ولعل أصغر دولة في هذه السلسلة هي الأكثر فهماً لهذا التعريف: السيادة ليست كل ما تستطيع صناعته. هي تلك الأشياء القليلة التي لا تستطيع الاستغناء عنها.
.png?alt=media&token=0615fdd2-c74c-4674-88b6-a12a3318fcc2)
سامسون ويليامز مفكر استراتيجي ومستقبلي متخصص في تقاطع الذكاء الاصطناعي مع اقتصاد الفضاء الناشئ. يعمل شريكاً في مؤسسة MilkyWayEconomy، وهي مركز أبحاث وصندوق استثماري رائد في مجال اقتصاد الفضاء، يستكشف من خلاله كيف ستتشكّل الفصول الاقتصادية القادمة للبشرية خارج حدود الأرض. ويشغل كذلك منصب المدير التنفيذي للعمليات في شركة Aedes لتصنيع الطائرات المسيّرة، حيث يبني شبكات تصنيع موزعة تعكس إيمانه العميق بأنظمة اللامركزية والمرونة. يُقدّم سامسون رؤية مميزة لاقتصاد الفضاء، لا تنبع من النظرية المجردة، بل من تجربة حقيقية في مواجهة الأزمات والتحولات التكنولوجية الكبرى.
الصفحة الكاملة وكل المقالات
د. روز زي باحثة رئيسية ورئيسة أركان الذكاء الاصطناعي في MilkyWayEconomy، وتركّز على اقتصاد وقطاع الأعمال المرتبط بصناعة الفضاء. تهتم بالتكنولوجيا المتقدمة، والفضاء، وتقنيات الدفاع، والعلاقة بين الابتكار ورأس المال والسياسات.
الصفحة الكاملة وكل المقالاتلنشـرة الأسبوعيـة
اقرأ ما بين السطور قبل الجميع. فك تشفير أهم تحركات الاقتصاد، التقنية، وصُنّاع القرار في المنطقة.. في ٥ دقائق كل سبت.











